عندما يتحوّل الثراء إلى وجاهة.. بعد أن تنام الذاكرة.
عندما يتحوّل الثراء إلى وجاهة.. بعد أن تنام الذاكرة.
رشيد مصباح (فوزي)
–
لستُ أدري كيف أُسمّيها: هل هي نبالة من نوع خاص، أم تلك «النبالة السوداء» التي عرفها الإغريق؟
يقول المثل القديم: «مصائب قوم عند قوم فوائد». ويبدو أن بعض المصائب، عندنا، لم تكن مصائب للجميع.
تميّزت مرحلة الشاذلي بن جديد بانفتاح سياسي واقتصادي مشوب بكثير من الارتباك والتسيّب، فوجدت طبقة من الانتهازيين فرصتها. وفي خضم تفكيك القطاع العمومي وخصخصة مؤسساته، جرى حل شركات كبرى وصغرى، وبيعت بأثمان رمزية، وامتدّت مظاهر النهب إلى قطاعات أخرى، بما في ذلك السكن والعقار، بالإضافة إلى المال العام.
لم تكن تلك نهاية الحكاية.
عندما دخلت البلاد سنوات العنف، انشغل الجزائريون بأمنهم وحياتهم، وانشغلت الدولة بإخماد الفتنة. وفي مثل هذه الظروف، عرف الانتهازيون كيف يستغلّون الفوضى، وكيف يجعلون من انشغال الناس فرصة جديدة.
وهكذا ظهرت، مع مرور الوقت، طبقة جديدة من الأثرياء.
أموال راكمها البعض في ظروف استثنائية، ثم أُعيد توظيفها واستثمارها في مجالات مختلفة، ومنها المقاولاتية. ومع مرور السنوات، لم تعد ذاكرة الناس منشغلة بالسؤال عن البداية، بل أصبحت منشغلة بما آلت إليه النهاية.
وهنا حدث التحول الأخطر.
من كان بالأمس موضع سؤال، أصبح اليوم موضع احترام.
ومن كان بالأمس يحتاج إلى تفسير مصدر ثروته، أصبح اليوم مجرد التشكيك في ثروته إساءةً إلى سمعته.
فالزمن يفعل فعلته.
تتراجع الذاكرة، وتتغير الوجوه، ويصبح صاحب المال وجيهًا وعينًا من الأعيان، بل وشخصية يُشار إليها بالبنان.
وهكذا قد ينجح المال، مع مرور الوقت، في تحقيق ما لا تستطيع الأموال وحدها تحقيقه؛ أن تشتري لنفسها النسيان، ثم تشتري بعد ذلك الاحترام.
ليست المشكلة في الثروة ذاتها؛ فالثراء المشروع لا يعيبه شيء. المشكلة حين يصبح مرور الزمن بديلًـا عن كشف الحقيقة، والوجاهة بديلًـا عن مصدر المال، والصمتُ الجماعي بديلًـا عن الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح.
عندها فقط نفهم معنى «النبالة السوداء»:
أن يتحوّل زمن المصائب إلى زمن ثراء، ثم يتحوّل الثراء إلى وجاهة، بعد أن تنام الذاكرة.


إرسال التعليق