مستشفى مداوروش… حين تتوقّف الأشغال وتبدأ المخاوف
رشيد مصباح (فوزي)
لم يكن سكان مداوروش ينظرون إلى مشروع المستشفى الجديد باعتباره مجرد بناية إسمنتية تضاف إلى عمران المدينة، بل كانوا يرونه، منذ أن بدأت فكرة إنجازه، شيئًا يشبه استعادة حقّ طال انتظاره: حقّ المريض في أن يجد العلاج قريبًا من بيته، وحقّ الحالات الاستعجالية في ألّـا تتحوّل المسافة إلى سباق مع الموت.
فالمشروع ليس وليد اليوم. لقد كان مطلبًا ملحًّا لسكان المنطقة، قبل أن ترفع عنه حالة التجميد وتنطلق أشغاله. وفي سنة 2021 أُعلن عن مشروع مستشفى بسعة 120 سريرًا على مساحة أربعة هكتارات، بغلاف مالي معلن قدره نحو 2.358 مليار دينار، مع مصالح للاستعجالات والأشعة والمخابر والعمليات الجراحية وأمراض النساء والتوليد والطب الداخلي وطب الأطفال وطب العظام.
ولم يكن الأمل مجرد أمنية عابرة؛ فقد ظل المشروع يحظى بمتابعة واهتمام على مستوى الولاية، إلى أن جاء تصريح منشور في يونيو 2025 يفيد بأن نسبة الإنجاز تجاوزت 75 بالمائة، وأن استلام المؤسسة ودخولها الخدمة كان منتظرًا مع بداية سنة 2026.
ومن هنا تحديدًا تبدأ الحيرة.
فإذا كان المشروع قد تجاوز ثلاثة أرباع الإنجاز، وكان موعد دخوله الخدمة محدّدًا تقريبًا، فكيف وجد المواطن نفسه أمام صور لبناية تبدو، بحسب ما نشره أحد المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الأشغال فيها قد توقّفت منذ سنين؟
لقد أثارت صور المشروع التي تداولها بعض أبناء المدينة موجة من التعليقات، بعضها غاضب، وبعضها ساخر، وبعضها الآخر لا يخفي الخوف من أن يؤدّي مجرّد التعليق على مشروع عمومي إلى متاعب لا يرغب المواطن العادي في الدخول فيها.
كتب أحدهم: «أين المنتخبون؟ هذه فرصة لدعم حملتهم.»
وكتب آخر، بلهجة ساخرة، متسائلًا عن أولئك الذين نراهم في صور المناسبات واللقاءات، ثم لا نراهم بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بانشغالات الناس الحقيقية.
وقال ثالث، وقد غلب عليه الخوف: «أخاف أن أتكلم فيكون مصيري سجن تنزروفت.»
أما العبارة الأكثر إيلامًا فجاءت من مواطن عبّر عن مأساة تختصر الكثير: «أبناء البلدة يموتون في سيارات الإسعاف.»
بنما قال آخر: «لا ندري متى يعود المستشفى إلى الورشة؟ ومتى يعود موعد التسليم إلى الواقع؟»
فالمواطن الذي يضطر إلى نقل مريض في حالة خطيرة نحو سدراتة أو سوق أهراس لا ينظر إلى الأمر من زاوية إدارية.
هناك حالات مرضية لا تنتظر.. ولهذا فإن المستشفى المنتظر في مداوروش ليس مشروعًا عاديًا يمكن أن يظل صامتًا وراء الأسوار؛ إنه مشروع مرتبط مباشرة بحياة الناس، ومن حق سكان المدينة أن يعرفوا:
ما وضعية المشروع اليوم؟ هل توقّفت الأشغال فعلًا؟
وإذا توقّفت، فما السبب؟ هل يتعلق الأمر بمشاكل تقنية؟ إدارية؟ مالية؟ تعاقدية؟
وهل توجد آجال جديدة للاستئناف والاستلام؟
إنها أسئلة طبيعية يطرحها المواطن عندما يرى مشروعًا كان، وفق آخر المعطيات المنشورة التي اطلعنا عليها، قد تجاوز نسبة 75 بالمائة من الإنجاز، وكان من المفترض أن يدخل الخدمة في بداية 2026.
والأكثر إلحاحًا أن تقدّم الجهات المعنية توضيحًا للرأي العام، بدل أن يترك المواطن أسير الصور والتعليقات والتخمينات.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، إنه يطلب أن يعرف مصير مشروع انتظره طويلًـا.
أما المنتخبون، فإن الحديث عنهم هنا ليس دعوة إلى تحويل المستشفى إلى مادة انتخابية؛ المستشفى أكبر من الحملات الانتخابية، وأبقى من صور السيلفي.
والمسؤول الذي يستطيع أن يشرح للمواطنين أين وصلت المشاريع التي تهم حياتهم اليومية لا يخسر شيئًا من شرعيته، بل يمارس ببساطة جزءًا من مسؤوليته.
أما المنابر، سواء كانت منابر الجمعة أو المنابر الإعلامية أو صفحات التواصل الاجتماعي؛ أليس من حق الناس أن يسمعوا فيها أيضًا عن المستشفى الذي انتظروه؟
أليس من حق المريض الفقير، والمرأة الحامل، والمسن، وصاحب المرض المزمن، وأهل المصاب في حالة استعجالية، أن يكون لهم نصيب من الحديث عن الصحة، لا أن تبقى هذه القضايا حاضرة عندما تقع الكارثة فحسب؟
لقد بدأ مشروع مستشفى مداوروش باعتباره استجابة لمطلب طال انتظاره، ووصل في مرحلة لاحقة، حسب التصريحات المنشورة، إلى أكثر من 75 بالمائة من الإنجاز.
واليوم، لا يحتاج سكان مداوروش إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاجون إلى حقيقة واضحة.
فالأسمنت يستطيع أن ينتظر أحيانًا.. أما المرض فلا يمنح فرصة الانتظار طويلًـا.



إرسال التعليق