لماذا يعجز العجز الأميركي أمام تحصينات إيران الجبلية؟
أعلن دونالد ترامب في السابق تدمير البرنامج النووي الإيراني مرتين، ومع كل إعلان تسبقه وتلحقه موجات من الحملات الإعلامية الغربية الممنهجة، بدعم ومغلفات ترويجية من “الصهاينة العرب” في منطقتنا، بهدف تهييج الرأي العام وبيع الوهم للشارع العربي. وبعد أن تنجلي غبرة الادعاءات وتظهر الحقيقة ساطعةً، لا يكلف هؤلاء أنفسهم عناء الاعتذار عن كذبهم وتضليلهم، بل يعاودون الكرة بإصرار غريب للترويج لاختراع وهمي جديد يسمى هذه المرة “أم القنابل”، زعمين أنها ستفعل ما لم تفعله الأجيال السابقة من قنابل الخرق كـ GBU-57 MOP.
الوهم التكنولوجي: حين يصطدم الغرور بصخور الجرانيت
إن الحقيقة التقنية والجيولوجية التي تتجاهلها آلة الدعاية الحربية هي أن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية لم تُبنَ على سطح الأرض، بل جرى تحصينها وتأمينها منذ أكثر من عقدين في أعماق سحيقة داخل جبال صخرية صلبة تتألف من الجرانيت، الديوريت، والبازلت، على عمق قد يصل في بعض الأحيان إلى 800 متر تحت السطح.
ولتقريب الصورة عسكرياً وفنياً:
- قنبلة GBU-57 MOP (الخارقة للتحصينات): على الرغم من أنها تُعد أقوى قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات في ترسانة واشنطن، إلا أن قدرتها القصوى على الاختراق في التربة العادية لا تتجاوز 60 متراً، وتتراجع بشكل حاد في الصخور الصلبة كالجرانيت والبازلت والديوريت لتتراوح بين 10 إلى 25 متراً فقط.
- استحالة التأثير الجوفي: عندما نتحدث عن منشآت ومصانع محفورة تحت مئات الأمتار من الصخور الصماء، فإن القدرة الفعلية لأمريكا ووكلائها على إحداث أي ضرر بنيوي حقيقي تكاد تكون “منعدمة تماماً”.
أما ما يُسمى بـ “أم القنابل” (GBU-43/B MOAB)، فهي سلاح ذو غلاف ألمنيوم رقيق مصمم للانفجار على السطح أو فوقه لتوليد موجة ضغط هائل وتدمير مساحي واسع، وليس لديه أي قدرة حقيقية على اختراق التحصينات الصخرية العميقة. إن غاية ما يمكن أن تحققه هذه القنبلة إذا استُخدمت هو ارتكاب جريمة حرب سافرة ضد المدنيين وتدمير بيئي وسطحي، نظراً لافتقارها لأي تأثير تكتيكي حقيقي ضد الأهداف الجوفية المحصنة.
الحسابات الخاطئة وفتيل الحرب الإقليمية
إن محاولة استغلال هذه الأسلحة لشن هجمات رعناء لن تؤدي إلى تدمير النووي أو الصاروخي الإيراني، بل ستدفع الجانب الإيراني نحو ردود فعل عصبية وعشوائية تفتقر لحسابات الربح والخسارة الدقيقة، متجاوزة كافة الخطوط الحمراء.
وهذا بالضبط ما يعيد للأذهان التحليلات السابقة بأن استراتيجية ترامب لا تهدف بالضرورة إلى حسم عسكري نظيف، بل تسعى إلى إشعال حرب مدمرة بين العرب وإيران هذه المرة، مستغلة توفر الظروف الإقليمية المواتية وتصعيد الملفات الحساسة كملف اليمن، لجر المنطقة إلى محرقة استنزاف كبرى تخدم مصالح أطراف خارجية ولا تحقق للعرب سوى الخراب والدمار.
إن الخطاب الإعلامي المضلل الذي يبيع أوهام القدرة المطلقة سقط في اختبار الواقع، وما لم يتم إعلاء صوت العقل والحلول السياسية الشاملة، فإن المنطقة تسير بخطى حثيثة نحو فخ استراتيجي لن ينجو من لهيبه أحد.



إرسال التعليق