إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى
الحلقة الثانية،
من الثورة الكلاسيكية إلى صراعات العصر الخوارزمي
لا يحتاج الشعب الكوردي اليوم إلى مراجعة عدالة قضيته، ولا إلى إعادة النظر في حقه القومي، ولا إلى التراجع عن حلمه التاريخي في كوردستان موحدة وحرة، بل يحتاج إلى شيء آخر أكثر إلحاحًا، إعادة النظر في أدوات النضال وأساليبه بما ينسجم مع العالم الذي يتشكل من حوله.
فالحق القومي الكوردي ليس محل نقاش بالنسبة لنا، كما أن حقيقة وجود كوردستان، ووحدة شعبها، وحقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته، ليست قضايا يجوز التخفف منها أو استبدالها بصيغ فكرية هلامية تتجاوز القومية في بيئة ما تزال فيها الأنظمة المحيطة تنكر أصلًا وجود الشعب الكوردي وتتعامل معه باعتباره خطرًا يجب تفكيكه أو احتواؤه. ومن هنا، فإن أي حديث عن تطوير النضال الكوردي لا يعني أبدًا التنكر للبعد القومي أو التخفف من الهدف الكوردستاني، بل يعني السعي إلى حمايته بوسائل أكثر نضجًا وفاعلية.
لقد نشأت أغلب الحركات القومية في القرن الماضي ضمن نموذج سياسي شبه موحد، شعب محروم من حقوقه، يبلور هويته القومية، يؤسس تنظيماته السياسية أو العسكرية، ثم يدخل في مواجهة مع سلطة مركزية أو قوة استعمارية بهدف انتزاع الاعتراف أو تحقيق الاستقلال. وقد سارت الحركة الكوردية، في معظم تجاربها، داخل هذا الإطار التاريخي العام. فمن ثورات عبيد الله النهري، والشيخ سعيد بيران والبرزانيين، إلى ثورة العمال الكوردستاني، وعبد الرحمن قاسملو، إلى الحراك السياسي والثقافي في أجزاء كوردستان المختلفة، ظل منطق المواجهة المباشرة، السياسية أو العسكرية، في مركز العمل القومي الكوردي.
وكان لهذا المسار ما يبرره تمامًا. فالعالم آنذاك كان محكومًا بمنطق الدول القومية الصلبة، وكانت حركات التحرر تُقاس بقدرتها على الصمود المسلح، أو على بناء تنظيم حزبي قادر على فرض نفسه داخل معادلات الحرب الباردة، أو على انتزاع موقع في توازنات إقليمية ودولية محددة. وكان من الطبيعي أن تتمسك الحركة الكوردية بهذا النمط، لأنها كانت تواجه إنكارًا قوميًّا عنيفًا، لا يترك لها هامشًا واسعًا سوى المقاومة والدفاع عن الوجود.
لكنّ المشكلة اليوم ليست في خطأ ذلك المسار التاريخي، بل في افتراض أن أدواته القديمة ما تزال كافية وحدها لإدارة صراعات عصرٍ تغيّرت فيه قواعد القوة والتأثير. فالقرن الحادي والعشرون لم يأتِ فقط بتحولات في وسائل الاتصال أو أنماط الاقتصاد، بل أعاد تعريف معنى القوة نفسها. فمع الثورة الرقمية، وصعود الاقتصاد المعولم، ثم الطفرة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخوارزمية، دخل العالم مرحلة جديدة باتت فيها السيطرة على البيانات، وإدارة تدفق المعلومات، والتأثير في الفضاء الإعلامي، والتحكم في سلاسل الاقتصاد والتكنولوجيا، عناصر حاسمة في إعادة توزيع النفوذ بين الدول والشعوب.
لقد بدأت البشرية تدخل طورًا يمكن وصفه بعصر الصراعات الخوارزمية؛ أي الصراعات التي لا تُحسم فقط في ميادين الحرب أو داخل غرف السياسة التقليدية، بل أيضًا في البنى الرقمية، والأسواق العالمية، ومنصات التأثير، والشبكات التي تشكل الوعي العام. وفي هذا العالم، لم تعد الدولة هي اللاعب الوحيد، كما لم تعد الجيوش وحدها صاحبة القرار. فالشركات العملاقة، ومراكز التكنولوجيا، والمؤسسات العابرة للحدود، باتت تمارس أدوارًا تكاد تضاهي أدوار الدول، بل تتجاوزها أحيانًا في تشكيل المصالح والقرارات.
ومن هنا، لم يعد السؤال الكوردي محصورًا في كيفية إدارة الصراع مع السلطة المركزية فحسب، بل أصبح متعلقًا أيضًا بكيفية إعادة تموضع القضية الكوردية داخل هذا العالم الجديد، من دون أن تفقد هويتها أو هدفها القومي. فالمطلوب ليس أن تتخلى القضية الكوردية عن حقيقتها التاريخية كي ترضي لغة العصر، بل أن تتقن لغة العصر كي تخدم حقيقتها التاريخية.
والمشكلة أن جزءًا مهمًا من العمل السياسي الكوردي ما يزال يتحرك ضمن بنى ذهنية وتنظيمية تعود إلى القرن الماضي. فالأحزاب، في كثير من الأحيان، ما تزال أقرب إلى نماذج الحركات السرية أو الثورية التقليدية، والخطاب السياسي لا يزال يتعامل مع العالم من خلال مفاهيم قديمة، في وقتٍ تتغير فيه قواعد التأثير بسرعة هائلة. وهذا لا يعني أن التجربة الكوردية أخطأت في تاريخها، ولا أن تضحياتها كانت بلا معنى، بل يعني أن الوفاء الحقيقي لهذا التاريخ يقتضي تطوير أدواته لا تكرارها بصورة جامدة.
إن التمسك بالقضية القومية لا يعني الجمود في الوسائل. بل إن التصلب في الأدوات القديمة، حين تتغير شروط العالم، قد يتحول إلى نوع من الإضعاف غير المقصود للقضية ذاتها. فالمطلوب اليوم ليس الخروج من القومية الكوردية، ولا استبدالها بمفاهيم تتجاوزها لصالح صيغ ضبابية لا تحمي شعبًا مضطهدًا في الشرق الأوسط، بل المطلوب هو نقل المشروع القومي الكوردي من منطق القرن الماضي إلى أدوات هذا القرن.
في غربي كوردستان، برزت خلال السنوات الماضية تجربة سياسية وإدارية وعسكرية بدت، في لحظة من اللحظات، وكأنها تفتح أفقًا جديدًا للكورد في سوريا. غير أن هذه التجربة، رغم ما وفرته من قدر من الأمن والحماية في بيئة مضطربة، لم تنجح في تحويل ذلك إلى مشروع قومي راسخ يخدم القضية الكوردية في معناها التاريخي الأوسع. فقد حالت الضغوط الدولية، وعداء القوى الإقليمية، وتعقيدات الحرب السورية دون استقرار التجربة، لكنّ ذلك لا يُعفيها من مسؤوليتها عن إهمال البعد القومي الكوردي، وعن ضعف الاهتمام بتطوير البنية التحتية، وتحسين ظروف المعيشة، وبناء نموذج اقتصادي ومؤسساتي قادر على ترسيخ الحضور الكوردي في أرضه. ومع التحولات التي شهدتها سوريا مؤخرًا، وخسارة الإدارة الذاتية جانبًا كبيرًا من مكتسباتها، دخلت الحركة الكوردية، ومعها هذه الإدارة، مرحلة مختلفة لم تعد فيها أمام مشروع توسع أو تثبيت وقائع جديدة، بل أمام محاولة شاقة للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه عبر الحوار والتفاوض ضمن سوريا المتغيرة.
ومن هنا، لم يعد ممكناً الاكتفاء بلغة الإنجاز العسكري أو الشرعية الميدانية، لأن المرحلة الراهنة كشفت بوضوح أن السلاح والإدارة المحلية، حين لا يُرفدان برؤية قومية واضحة، وبناء اقتصادي حقيقي، وتحسين ملموس لحياة الناس، تبقى إنجازات قابلة للتآكل مع أول تحول في موازين القوى. فالواقع الجديد يفرض على الحركة الكوردية أن تعيد النظر في تجربتها بجرأة، وأن تدرك أن حماية القضية القومية لا تكون فقط بالدفاع العسكري، بل أيضًا ببناء مجتمع أكثر رسوخًا، ومؤسسات أكثر فاعلية، وخطاب سياسي أكثر وضوحًا في تمسكه بالحقوق القومية الكوردية. كما يفرض عليها أن تدخل مرحلة التفاوض لا بوهم استعادة ما مضى كما كان، بل بوعي أن ما تبقى من المكتسبات يحتاج إلى عقل سياسي أكثر واقعية، يوازن بين الثبات على جوهر القضية الكوردية وبين التعامل مع شروط مرحلة لم تعد تشبه سنوات الهيمنة السابقة.
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه الحركة الكوردية اليوم هو الانتقال من منطق الحركة الثورية التقليدية إلى منطق الفاعل القومي التاريخي القادر على العمل داخل عالم معولم، متشابك، سريع التحول. وهذا الانتقال لا يعني التخلي عن جوهر القضية الكوردية، بل يعني تحريرها من الجمود، ومنحها قدرة أكبر على الحضور والتأثير والاستمرار. فالقضية الكوردية لا ينقصها التاريخ، ولا التضحيات، ولا عمق المظلومية، لكنها تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة صياغة موقعها ضمن توازنات العصر.
إن الشعب الكوردي لا يحتاج إلى من يخفف من طموحه القومي، بل إلى من يساعده على تحويل هذا الطموح إلى مشروع قابل للحياة في النظام الدولي الجديد. لا يحتاج إلى من يطالبه بتذويب قضيته تحت شعارات فوق قومية لا تجد لها مكانًا واقعيًا في شرق أوسط غارق في صراعات القوميات والدول والهويات المغلقة، بل إلى من يقول له بوضوح، ابقَ متمسكًا بقوميتك، لكن طوّر وسائل الدفاع عنها.
ومن هنا، فإن المهمة الفكرية والسياسية الأكثر إلحاحًا أمام الحراك الكوردستاني اليوم هي أن يبدأ نقاشًا جديًا وعميقًا حول هذا التحول. ليس نقاشًا حزبيًا محدودًا، ولا جدلًا تنظيميًا ضيقًا، بل حوارًا فكريًا واسعًا يشارك فيه المثقفون والسياسيون والباحثون وأصحاب الخبرة، بهدف التفكير في مستقبل القضية الكوردية بلغة تستوعب التحولات الجديدة من دون أن تمسّ ثوابتها الكبرى.
فالمعركة القادمة قد لا تكون معركة حدود فقط، ولا معركة جغرافيا فقط، بل معركة موقع في عالم جديد تُصاغ ملامحه الآن. ومن لا يقرأ هذا العالم جيدًا، قد يجد نفسه خارج معادلاته، حتى لو امتلك تاريخًا طويلًا من النضال. أما من ينجح في الجمع بين الثبات على الهدف القومي والمرونة في الوسائل، فقد يكون أقدر من غيره على حماية القضية الكوردية، وتثبيت حضورها، والتقدم بها خطوة أقرب نحو حقها التاريخي في الحرية والدولة والوحدة.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق