لعبة التوازنات الدولية في مواجهة إيران
لعبة التوازنات الدولية في مواجهة إيران
رشيد مصباح (فوزي)
ليست سوى سذاجة سياسيّة أن نتصوّر أنّ دولة بحجم إيران تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بمفردها. فكيف يمكن لدولة أنهكتها سنوات من الحصار والعقوبات أن تمتلك القدرة على الاستمرار في حرب طويلة النفس بهذا الحجم؟
يكاد يتفق كثير من المتابعين للمشهد الدولي على أن ثمة دعما غير مباشر يأتي من قوى كبرى، وعلى رأسها روسيا والصين، باعتبارهما ركيزتين في تكتل ”البريكس“. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب السياسيّ، بل يمتد إلى مجالات لوجستيّة وتقنيّة، من أنظمة الأقمار الصناعيّة إلى الأسلحة المتطوّرة، في سياق حرب يغلب عليها طابع الاستنزاف أكثر من الحسم.
وفي المقابل، يبدو من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تجهلان مثل هذه المعطيات. ومع ذلك، لا نرى اتّهامات مباشرة وصريحة موجّهة إلى موسكو أو بكين:
ما سرّ هذا الصمت؟
ولماذا نميل نحن، كعرب، إلى استهلاك الأحداث كما تُعرض علينا دون التعمّق في خلفيّاتها ودوافعها؟
المنطق السياسيّ يشي بأن الدول الكبرى، مهما اشتدّ التنافس بينها، تحرص على إبقاء خيوط دقيقة من التوازن، ما يُعرف مجازا بـ”شعرة معاوية“، حفاظا على المصالح المتبادلة ومنعا لانفلات الصراع نحو مواجهة شاملة. وهذا الاعتبار لا يمكن إغفاله عند قراءة ما يجري.
من زاوية أخرى، تبدو السياسات الأمريكيةّ كأنها تتقاطع، بشكل أو بآخر، مع منطق إدارة التوازنات ذاته الذي تعتمده قوى أخرى في تعاملها مع حلفائها. ويظهر ذلك في طريقة التعاطي مع أمن المنطقة، حيث يطرح تساؤل حول حدود الدور الأمريكي في حماية حلفائه، رغم الحضور العسكري والقواعد المنتشرة في الخليج.
في المحصّلة، يبدو أن مشهد الصراع يتجاوز كونه مواجهة مباشرة بين أطراف معلنة، ليعكس شبكة معقّدة من التوازنات الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتُدار الأزمات وفق حسابات دقيقة. وبينما تتقاطع مصالح الشرق والغرب في إدارة هذا التوتّر، يبقى الخاسر الأكبر هو المنطقة نفسها، التي تدفع ثمن الاستنزاف، في وقت تتفاقم فيه الانقسامات داخل البيت العربي، غالبا نتيجة قراءة سطحية أو ساذجة لما يجري.



إرسال التعليق