المحامون ونظرية المجال

تناولنا في مقال سابق المحامون والقضاة وقانون عدم التناقض وكيف ان القاضي ملزم وفق دوره ووجوده بالعمل وفقا لقانون التناقض فلابد من ان يصدر حكمه في الدعوى الى جانب طرف دون اخر ، غير ان المحامي غير مجبر ان يقتنع ان الطرف المدان في حكم القاضي مدان فعلا والطرف البريء بريئا فعلا ، لذلك بكون دوره وطلباته ولوائحه وطعونه وفقا لقناعاته بأدلة واجراءات الدعوى لا وفقا لما تقوله المحكمة.

الان اود ان انوه عن نظرية اراها تتماهى مع عمل ورؤية المحاماة والمحامون الا وهي نظرية المجال التي يشير اليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه ” خوارق اللاشعور”  ايضا ويراها مناقضة لقانون الوسط المرفوع. إذ هي لا تجيز تصنيف الأمور إلى حدين منفصلين، حيث إن الوجود حسب هذه النظرية ممتد لا انفصال فيه والاختلاف إذن بين وجود وآخر هو اختلاف بالدرجة لا بالنوع. واثيرت هذه النظرية في علم النفس والاجتماع ايضا ، فحينما يُصّنف الناس مثلا إلى مجانين وعقلاء يتّصور مصنفهم وجود حد فاصل بين هذين النوعين من الناس. أما في علم النفس فلا وجود لهذا الحد الفاصل. فكل إنسان في رأي هذا العلم مجنون إلى درجة ما، والفرق الاعتباري بين المجنون والعاقل ناتج من اختلاف درجة الجنون بينهما شدة وضعفاً. بحيث حين ندرس عقلية الناس في الواقع لا نرى فيها فرقاً نوعياً. فمن الممكن وضع أفراد الناس جميعاً على مدرج متصل، وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي بالمستمر (Continuum). فكثير ممن نحسبهم عقلاء لا يختلفون عن المجانين إلا بفرق بسيط. وربما كانوا هم في الحقيقة مجانين لكن المجتمع قد استثناهم من وصمة الجنون لما هم عليه من غنى أو منزلة أو منصب أو عشيرة تسندهم. ولعل بعض من يحسبهم مجانين كانوا أصح عقلاً منهم، لكن المجتمع قد احتقرهم لفقرهم أو دمامتهم أو عاهتهم فأسرع إلى وصمهم بوصمة الجنون، الى اخر ايضاحات علي الوردي في كتابه المشار اليه انفا.

ولو طبقنا خلاصة هذه النظرية ونتائجها على عمل ورؤية المحامي نجده تتفق تماما مع قناعاته ورؤيته ، فمن خوّل المجتمع او الناس او الاعلام ان يحكم على (س) بالإدانة التامة و(ص) بالبراءة ، ومن يقول ان ما تمخض عن تحقيقات الاجهزة الامنية كانت اجراءات سليمة ولم تخالف القانون عند اتخاذها بحق المشكو منه سواء بالتعذيب او الترغيب و انتزاع اعترافات منه وفقا لذلك اضحت تمّثل حقيقة قضائية رغم عدم صحتها، من يقول ان الجاهل بالقانون الذي وقّع على ورقة بيضاء او وصل امانة او كمبيالة لم تدرج مندرجاته ، ثم راح صاحب الورقة او الوصل ووضع مبلغ في ذمته واعتبره القضاء مدينا وفقا لهذا الدليل المصطنع بأنه مدين حقا والواقع انه مغرر به وقع ضحية محتال!

ضمن هذه الفرضيات الواقعية التي يعيشها المجتمع يوميا ، والتي تندرج ضمن تعدد المجالات يظهر دور المحامي الحقيقي والحاذق ، ويبدأ يساهم في تفكيك ما اصطُنع من ادلة واثارها ، طبعا المتضرر من محاولات المحامي في هذا الكشف سيجد المحامي باطلا وظالما ومساندا للمجرمين ، والمنتفع منها سيعتبره عادلا محقا!

والمحامي لا ظالم ولا عادل ، بل هو ممارس لدور رسالي وقانوني اوجدته الحياة ولا يُلام على أي من ادواره لأن القصة لا تكتمل بدون توافر جميع عناصرها ، وهو سواء كان وكيلا عن الشاكي ام المشكو منه ، المدعي ام المدعى عليه ، عنصر مهم من عناصر تكامل الحقيقة ، وايّ محاولة لألغاء دوره في اي جانب هو عمل غير اخلاقي قبل ان يكون غير قانوني ويثلم جزء كبير من الحقيقة ويفضي الى ظهور حقيقة ناقصة وان اصبحت حقيقة قضائية ثابتة بحكم غير انها نتيجة صحيحة بمقدمات خاطئة كما يقول المناطقة ، غاية بوسائل غير مشروعة!

فإذن ووفقا لنظرية المجال ومادام الاختلاف بين الناس اختلاف في الدرجة والشدة والضعف وان جميع اطراف الدعاوى شركاء في افعالها ، فليس هناك ملاك تنازع مع شيطان ، بل اختلف بني البشر فيما بينهم بما لديهم من رغبات ونوازع واحقاد واطماع وشراسة وضعف وتنافس ، ويجب ان نفكك كل ذلك لمن يحكم حتى لا يظلم احدا في اجراءاته اما حكمه الاخير فمحترم ويمّثل الحقيقة القضائية التي تبقى بلا شك حقيقة غير واقعية والاّ لما شُرّع لنا الطعن بالأحكام.

وليد عبدالحسين : محام / الصويرة    

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك