هل قررت أوروبا الانتقام من ترامب في هذا الوقت

هل قررت أوروبا الانتقام من ترامب في هذا الوقت

فرانك ادم / مترجم


بدأت الأزمة تتعقّد بعد اغتيال خامنئي في ضربة مشتركة … وهو الحدث الذي فجّر الموقف بشكل كامل … إذ تحولت المواجهة من عمليات محدودة توصف بـ”الجراحية” إلى صراع إقليمي مفتوح … شمل استهداف البنية التحتية النفطية في جزيرة خارق … وهو ما أدى عملياً إلى إغلاق مضيق هرمز Strait of Hormuz أمام حركة الناقلات العالمية …
في خضم هذه التطورات … واجه ترامب عقبة غير متوقعة في حساباته العسكرية … تمثلت في الرفض الصريح من قبل دول الخليج العربي … وعلى رأسها سعودية والامارات … للمشاركة المباشرة في الحرب أو السماح باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق للهجمات ضد إيران …
هذا الموقف لم يكن تقارباً مع طهران بقدر ما كان تعبيراً عن إدراك عميق للمخاطر الوجودية التي قد تترتب عن حرب إقليمية واسعة … خصوصاً على المشاريع الاقتصادية الكبرى … مثل رؤية 2030 السعودية … التي تقوم على الاستقرار وجذب الاستثمارات …
ولذلك تبنّت دول الخليج ما يمكن تسميته بـ”الحياد الفعّال” … أو التحصين متعدد الطبقات … وهو منهج يهدف إلى حماية المكتسبات الاقتصادية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف شبيهة بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي …
غير أن هذا الحياد واجه اختباراً صعباً … عندما أصبحت القواعد الأمريكية في المنطقة أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية … الأمر الذي أدى إلى تضرر بعض المنشآت المدنية … من بينها مطار دبي الدولي … إضافة إلى منشآت نفطية في المنطقة الشرقية بالسعودية …
أما الركائز الاستراتيجية للموقف الخليجي في مارس 2026 … فكانت واضحة … الخشية من تدمير البنية التحتية السياحية والصناعية التي استثمرت فيها هذه الدول مليارات الدولارات … ورفض السماح للقوات الأمريكية بشن هجمات من القواعد المنتشرة في المنطقة … حتى لا تُصنّف هذه الدول كأطراف مشاركة في الحرب …
كما فتحت بعض العواصم الخليجية قنوات اتصال مع القيادة الإيرانية الجديدة … في محاولة لتقليل الأضرار الجانبية … وهو ما ظهر في رسائل التهدئة المتبادلة بين الرئيس الإيراني Masoud Pezeshkian وعدد من العواصم الخليجية …
أمام هذا الواقع … أدركت واشنطن أن حلفاءها في الخليج لا يرون في تغيير النظام في إيران مصلحة استراتيجية … إذا كان الثمن هو تدمير نماذجهم التنموية … وهو ما دفع ترامب إلى التوجه نحو حلف الناتو مطالباً بمساندة عسكرية مباشرة …
فبعد إغلاق المضيق وتعطل ما يقارب 20 بالمائة من إمدادات النفط والغاز العالمية … طالب ترامب الدول الأوروبية بإرسال فرقاطات وقطع بحرية للمشاركة في تحالف دولي لفتح المضيق بالقوة … ملوحاً بأن رفض هذه المطالب قد يؤدي إلى مستقبل سيئ للحلف … بل وملمحاً إلى إمكانية سحب المظلة الأمنية الأمريكية عن أوروبا …
غير أن الرد الأوروبي جاء بارداً ومحسوباً … خاصة من القوى الكبرى مثل المانيا وايطاليا و مملكة المتحدة … حيث صرّح وزير الدفاع الألماني بوريس لودفيج بوضوح قائلاً … هذه ليست حربنا … نحن لم نبدأها …
تعتمد العواصم الأوروبية في موقفها على تفسير ضيق لميثاق الناتو … معتبرة أن الصراع الأمريكي الإيراني يقع خارج نطاق الدفاع الجماعي للحلف … خاصة أنه بدأ دون تشاور مسبق مع الحلفاء …
والحديث هنا عن “انتقام” أوروبي من ترامب ليس مجرد تكهنات … بل هو نتيجة تراكمية لسلسلة من الأزمات التي شهدتها العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية منذ عام 2025 …
ففي جانفي 2026 … أثار ترامب أزمة كبرى داخل التحالف الأطلسي عندما طالب بضم جزيرة غريلاند التابعة دانمارك … مهدداً بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمائة على الصادرات الأوروبية إذا لم تتم الصفقة … وهو ما اعتبرته أوروبا ابتزازاً تجارياً وخرقاً لمبدأ السلامة الإقليمية بين الحلفاء …
وقد أدى ذلك إلى رد فعل غير مسبوق … حيث صنّف جهاز الاستخبارات الدفاعية الدنماركي الولايات المتحدة كتهديد محتمل للأمن القومي … وهو أمر لم يكن مطروحاً في العلاقات الأطلسية من قبل …
كما يرى كثير من المسؤولين الأوروبيين أن إدارة ترامب تتعامل مع الناتو بمنطق المعاملات … أي تبادل الخدمات مقابل المصالح … وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بين الطرفين …
ولذلك لم يعد الرفض الأوروبي مقتصراً على الجانب العسكري فقط … بل امتد إلى محاولة بناء هيكل دفاعي مستقل داخل الاتحاد الأوروبي … عبر تعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية وتقليل الاعتماد على السلاح الأمريكي …
هذا التحول يعكس ما يسمى بمفهوم “السيادة الاستراتيجية الأوروبية” … وهو المفهوم الذي طالما دعت إليه فرنسا … وبدأت اليوم المانيا وايطاليا تتبنيانه بجدية أكبر …
ورغم ذلك … لا يوجد إجماع أوروبي كامل حول كيفية التعامل مع الأزمة … فمثلاً تجد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني نفسها تحت ضغط سياسي داخلي كبير يرفض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط …
أما رئيس وزراء المجر فيكتور ميهالي … الذي يعد من أقرب الحلفاء الأوروبيين لترامب … فقد أصبح معزولاً نسبياً داخل الاتحاد الأوروبي بسبب مواقفه المختلفة عن بقية العواصم …
وفي لندن … يحاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الموازنة بين المصالح الاقتصادية والضغوط السياسية … حيث يدعو إلى ضمان حرية الملاحة في المضيق … لكنه يرفض إرسال قوات بحرية قتالية … مكتفياً بمقترحات تقنية مثل إرسال طائرات مسيّرة متخصصة في كشف الألغام …
اقتصادياً … أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير … حيث تجاوزت الأسعار 100 دولار للبرميل … مع تحذيرات إيرانية من إمكانية وصولها إلى 200 دولار إذا استمر الصراع …
هذه الصدمة النفطية أصبحت سلاحاً ذا حدين … فهي تضغط على الإدارة الأمريكية داخلياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود … وفي الوقت نفسه تمنح روسيا مكاسب مالية كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة …
كما تشير التقارير اللوجستية إلى أن البحرية الأمريكية … رغم قوتها … ليست مستعدة بالكامل لعمليات مرافقة واسعة للناقلات في بيئة مليئة بالألغام والقوارب السريعة … وهو ما يفسر مطالبة واشنطن لحلف الناتو بإرسال صائدات ألغام بحرية …
لكن الرد الأوروبي ظل محدوداً للغاية … ولم يتجاوز بعض الوعود التقنية من جانب بريطانيا …
أما من الناحية الاقتصادية … فقد أدت الحرب إلى استقرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار … وارتفاع كبير في أقساط التأمين البحري … وهو ما تسبب في تباطؤ حركة الملاحة التجارية العالمية … إضافة إلى اضطراب سلاسل التوريد ونقص بعض المشتقات النفطية في إفريقيا وأجزاء من آسيا …
وفي محاولة لاحتواء التوتر داخل الحلف … أطلق الناتو في فبراير 2026 عملية عسكرية في القطب الشمالي حملت اسم “حارس القطب الشمالي” … وهي عملية تهدف إلى تنسيق الأنشطة العسكرية في تلك المنطقة الحساسة تحت قيادة موحدة …
غير أن كثيراً من الخبراء اعتبروا هذه الخطوة مجرد محاولة رمزية لطمأنة ترامب بشأن المخاوف الأمنية في القطب الشمالي … دون أن يعني ذلك استعداد أوروبا للانخراط في حرب الخليج …
ولهذا يرى الأوروبيون أن التزامهم في القطب الشمالي مرتبط بالدفاع عن أراضيهم ومجالهم الحيوي … بينما الحرب في إيران تبقى في نظرهم مغامرة أمريكية لا تلزمهم بشيء …
كل هذه المعطيات تشير إلى أن العلاقة الأطلسية تمر اليوم بمرحلة توتر غير مسبوقة … وأن رفض أوروبا الانجرار إلى حرب هرمز قد يعكس بداية تحولات أعمق في ميزان القوى داخل التحالف الغربي …
أما السيناريوهات المحتملة في المرحلة القادمة … فقد تتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية … الأول يتمثل في نجاح أوروبا في تحقيق استقلال استراتيجي كامل عن واشنطن … عبر تطوير منظومة دفاعية أوروبية مستقلة …
أما السيناريو الثاني … فهو تحول الناتو إلى تحالف تقني أكثر منه سياسياً … حيث تتصرف كل دولة وفق مصالحها الوطنية …
بينما يبقى السيناريو الثالث قائماً على احتمال التوصل إلى تسوية كبرى بين واشنطن وبروكسل … تشمل ملفات الأمن والتجارة … ولكن وفق قواعد جديدة تمنح أوروبا دوراً أكبر في اتخاذ القرار داخل التحالف.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك