بين أمريكا و الحشد الشعبي في العراق

لماذا يرتجف “العم سام” من الحشد الشعبي في القائم؟

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

يبدو أن العالم المتقدم، ذلك “السوبرمان” الرقمي الذي يمتلك أقماراً صناعية تتلصص على نمل الرصيف وتحصي أنفاسه، وذكاءً اصطناعي يعرف أنك ستشتهي القهوة المرة قبل أن تستيقظ من نومك، قد استجمع أخيراً كل قواه العقلية والتكنولوجية ليعثر على “البعبع” الحقيقي الذي يهدد توازن المجرة! وربما يتسبب في ثقب أسود يبتلع البيت الأبيض: إنها بضعة كرفانات ومقرات بسيطة للحشد الشعبي في “القائم”.

لا تتعجب عزيزي القارئ ولا تفرك عينيك دهشة، فالأمر لا يتعلق بخرق أمني عابر، بل نحن بصدد “نهاية التاريخ” كما تنبأ به الفلاسفة، حيث يبدو أن مصير كوكب الأرض معلق بمزاج مقاتل مرابط هناك يغلي شاي على الحطب.

وبينما تروج الدوائر الاستخباراتية في واشنطن وتل أبيب لأسطورة “المخطط الشيطاني” الذي يربط طهران مع بغداد وبيروت، ويطلقون عليه بلهجة سينمائية مرعبة “الهلال الشيعي”، يبدو أننا في الواقع أمام صراع بين “طريق الحرير” التجاري وبين “طريق المشاية” الذي يرعبهم بصدقه؛ فالحقيقة المضحكة المبكية هي أن ذعرهم لا ينبع من رؤوس نووية، بل من تلك “الجغرافيا المتمردة” التي تأبى الانصياع، فمنطقة القائم ليست بالنسبة لهم مجرد حدود مرسومة، بل هي “عقدة المنشار” التي أفسدت عليهم مخطط تحويل المنطقة إلى مزرعة خاصة لتربية “الدواعش الأليفين” الذين ينهشون الجسد العربي بتهذيب يرضي واشنطن.

أما عن القصف، فالمسألة أبسط من تعقيدات السياسة؛ إنها حالة “ضيق تنفس” مزمنة تصاب بها “إسرائيل” كلما رأت مقاتلاً يقف بشموخ على بعد أمتار من أحلامها التوسعية، فهم يريدون حدوداً من رمال تذروها الرياح كلما اشتهوا قضم قطعة أرض جديدة، لكن الحشد الشعبي حولها إلى حدود من فولاذ وطني خالص، مما جعل “الأمن القومي العالمي” يرتعد من فكرة أن السيادة قد لا تحتاج إلى إذن من “العم سام” لتعلن عن نفسها.

·     الصمت الحكومي .. لماذا؟

أما عن “المهرجان الصامت” الذي تقيمه الحكومة العراقية الموقرة، فلا تظلموا هدوءها الملائكي، فهي لا تصمت عجزاً، بل تمارس أرقى فنون “التقية الدبلوماسية” العابرة للقارات، صمتٌ مهيب لدرجة أنك لو وضعت أذنك على مبنى رئاسة الوزراء لن تسمع حتى رنين الموبايل! وكأن القوم دخلوا في حالة “يوجا” سياسية جماعية تتطلب حبس الأنفاس حتى إشعار آخر.

ويبدو أن مخازن “التنديد” و”الاستنكار” قد أصابها القحط وجفت منابعها من فرط الاستهلاك في المناسبات السعيدة، أو ربما تخشى حكومتنا الرقيقة أن يخدش صوتها العالي “مشاعر” الطائرات المسيرة الرقيقة التي تحلق فوق رؤوسنا بـ”وداعة” المستعمر القديم الذي جاء ليطمئن على صحة الأجواء فقط.

الحقيقة أن الحكومة تتصرف بحكمة “بوذا” وهي تراقب السيادة تُنتهك، تماماً كالأب “الديمقراطي” الذي يرى ابنه يُسحل في الشارع أمام عينيه، فيكتفي بالنظر إلى ساعته السويسرية ببرود أعصاب يُحسد عليه ليقول لزوجته: “يا عزيزتي، ألا تشعرين أن موعد العشاء قد تأخر قليلاً؟”، مفضلاً مناقشة قائمة الطعام على مناقشة قائمة القتلى، وكأن الطائرات التي تخترق الأجواء ليست إلا طيوراً مهاجرة ضلت طريقها وقررت إلقاء التحية بـ”صواريخ” المحبة، بينما تكتفي بغداد بهز رأسها يميناً وشمالاً كأنها تستمع لمقطوعة كلاسيكية حزينة، خوفاً من أن يفسد “صراخ السيادة” هدوء المنطقة الخضراء المستدامة.

·     حين يغار المثقف المنبطح من نعال المقاتل

أما عن الفئة الأكثر إثارة للشفقة والضحك الهستيري في آنٍ واحد، فهي تلك “الجوقة” المحلّية, والتي تخصصت في توزيع الشتائم على الشهداء وكأنها أوسمة “نوبل” للوقاحة، حيث يعاني هؤلاء من حالة طبية فريدة استعصت على أطباء الأعصاب تُدعى “متلازمة ستوكهولم الجغرافية”، وهي حالة تجعل الضحية يقع في غرام قاذفة القنابل التي تحلق فوق رأسه، بينما يكنُّ حقداً دفيناً للصدر الذي تلقى الشظايا بدلاً عنه ليحمي ظهره المنهك. فبالنسبة لهؤلاء “المثقفين” جداً، لا يمكن للشهيد أن يكون بطلاً حقيقياً إلا إذا كان يرتدي زياً “مارينزياً” أنيقاً، ويتحدث بلكنة “تكساس” التي تذيب القلوب، ويحمل في جيبه علبة علكة أمريكية.

أما إذا كان هذا البطل هو “ابن الملحة” الأسمر الذي هبّ بغير ذريعة سوى “الغيرة” ولبّى فتوى شرعية, ليحمي العرض والأرض، فهو في نظرهم مجرد “مخرب” أزعج هدوءهم وأفسد عليهم متعة الجلوس بانتظار “المنقذ” الأمريكي, الذي لطالما وعدهم بالديمقراطية, لكنه لم يجلب في حقائبه إلا الدخان والخراب.

هؤلاء القوم يعشقون “عقدة الخواجة” لدرجة أنهم يفضلون الموت برصاصة “مستوردة” تحمل ماركة عالمية، على أن يتم إنقاذهم بفضل تضحية مقاتل يرتدي “نعل” متواضعاً لكنه يحمل قلباً بحجم الوطن، وكأن البطولة عندهم ماركة تجارية لا تكتمل إلا بختم “صنع في واشنطن”، متناسين أن الذي يحترق في القائم ليس مجرد “مقر”، بل هو كبرياء أمة يأبى هؤلاء المنهزمون نفسياً حتى مجرد الحلم به.

·     لماذا الخوف من الحشد الشعبي؟

لماذا يرتعد “العالم الحر” وتصاب خوارزميات الغرب بتشنج رقمي كلما ذُكر اسم الحشد؟ ببساطة، لأن الحشد الشعبي هو تلك “الغلطة” الكارثية التي لم تظهر في حسابات “ناسا” ولا في تقديرات مراكز الدراسات التي تتقاضى مليارات الدولارات لتتوقع اتجاه الرياح، فبينما صمموا المنطقة هندسياً لتسقط في ستة أيام كبيت من ورق، وتخيلوا أن “الوحوش” التي صنعوها في مختبراتهم ستلتهم الأخضر واليابس، خرج لهم رجال الحشد الشعبي  بملابسهم البسيطة ليقلبوا الطاولة والمقاعد وما عليها في ستة أعوام من الصمود الذي لا يفهم لغته “البنتاغون”.

إن الرعب الحقيقي الذي يسكن قلوبهم ليس نابعاً من “المقرات” أو الكرفانات التي يمكنهم قصفها بضغطة زر من خلف شاشة في نيفادا، بل من تلك “العقيدة” الفولاذية التي لا تخترقها الصواريخ الجوالة مهما كانت ذكية، ومن ذلك “الولاء” العابر للحدود والخرائط الذي لا يُباع ولا يُشترى في مزادات “دولارات” السفارة الملوثة، وكأن هؤلاء المقاتلين قد كسروا الشيفرة السرية للهيمنة، وأثبتوا أن الإرادة التي تنبت من طين الأرض لا تحتاج إلى “تحديث برمجيات” من الخارج لتعرف كيف تنتصر، مما جعل المخططين في واشنطن يعيدون النظر في كل “خوارزمياتهم” التي عجزت عن تفسير كيف يمكن لرجل يحمل “غيرة” وطنه, أن يهزم أحدث ما أنتجته مصانع السلاح التي لا تملك قلباً.

·     اخيرا:

يبدو أن على مراكز الأبحاث في “سيلكون فالي” ومختبرات “البنتاغون” أن تعترف بهزيمتها النكراء أمام منطق “الشاي العراقي المهيّل”، وعليهم أن يدركوا أن كل طائراتهم “الخفية” لم تنجح في إخفاء حقيقة واحدة: وهي أن القوة العظمى الحقيقية ليست في عدد الأقمار الصناعية التي تسبح في الفضاء، بل في تلك “الغيرة” التي تسكن القلوب تحت سماء القائم.

وبينما تستمر حكومتنا في تدريباتها المكثفة على “فن اليوغا السياسية” وصمت القبور، ويواصل “مثقفو علكة تكساس” البحث عن البطولة في أفلام هوليوود، سيبقى المقاتل المرابط هناك هو “الخطأ البرمجي” الوحيد الذي لا يمكن إصلاحه، والشوكة التي لا تُهضم في بلعوم “الشرق الأوسط الجديد”.

فليطمئن “العم سام” وليواصل قصف الكرفانات كما يشاء، فالمشكلة لم تكن يوماً في الجدران التي تُهدم، بل في تلك “العقيدة” التي تنبت من الأرض كلما سقطت قنبلة، تماماً كما ينبت النخيل وسط الموت؛ فمن يملك الأرض لا يحتاج إلى “إذن دخول” من أقماركم، ومن يملك الحق لا يخشى خوارزمياتكم التي نست أن تضع “الكرامة” في قائمة حساباتها الرقمية الفاشلة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك