إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصادي العالمي

لا خلاف على أن جميع المصاريف والخسائر الأمريكية التي صُرفت على الحرب لتغيير النظام في إيران ستدفعها إيران مستقبلًا، بل ومع الفوائد. أي حرب كبرى تُخاض ضد دولة بحجم إيران لن تكون فاتورتها محصورة في لحظة المواجهة، بل ستُعاد صياغتها لاحقًا ضمن ترتيبات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.

التجربة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ العراق عام 2003 تقدّم نموذجًا واضحًا، فتكاليف الحرب المباشرة لا تنتهي عند إسقاط نظام، بل تتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي، عقود إعادة إعمار، ترتيبات نفطية، وديون غير معلنة تُدفع بأشكال متعددة. وفي حال إيران، فإن أي تغيير قسري في بنيتها السياسية سيجعل الاقتصاد الإيراني نفسه هو من يدفع الثمن، عبر إعادة هيكلة قسرية للديون، خصخصة واسعة، وربط طويل الأمد بالمنظومة المالية الغربية.

إيران اليوم ليست دولة هامشية اقتصاديًا. فهي تحتل المرتبة نحو 20–22 عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القوة الشرائية (PPP)، إذ يقدّر ناتجها بأكثر من 1.7 تريليون دولار (PPP)، بينما يبلغ ناتجها الاسمي نحو 400–450 مليار دولار بسبب أثر العقوبات وسعر الصرف المنخفض. عدد سكانها يتجاوز 88 مليون نسمة، ما يمنحها سوقًا داخلية ضخمة، وقوة بشرية مؤهلة نسبيًا مقارنة بالمنطقة.

من حيث الموارد الطبيعية، تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنحو 155–160 مليار برميل، وثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي عالميًا بما يقارب 34 تريليون متر مكعب (بعد روسيا). هذه الأرقام وحدها تجعلها لاعبًا استراتيجيًا في معادلة الطاقة العالمية. قبل تشديد العقوبات الأمريكية عام 2018، كانت صادراتها النفطية تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميًا، وكان بإمكانها، في حال رفع القيود والاستثمار، أن تصل إلى 4 أو حتى 5 ملايين برميل يوميًا خلال سنوات قليلة. أي أن غياب إيران الكامل عن السوق أو عودتها الكاملة يمكن أن يُحرّك أسعار النفط عالميًا بين 5 إلى 15 دولارًا للبرميل وفق تقديرات مراكز الطاقة.

مضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا (نحو 18–20 مليون برميل يوميًا)، يمنح إيران ورقة ضغط جيوسياسية هائلة. أي تهديد بإغلاقه يرفع فورًا أسعار النفط والغاز عالميًا، ويؤثر على سلاسل التوريد في آسيا وأوروبا. لذا فإن استقرار إيران أو انفجارها ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل عاملًا مؤثرًا في التضخم العالمي وأسواق الطاقة.

أما تجارتها الدولية، فقد أعادت إيران توجيه بوصلتها شرقًا. الصين تُعد الشريك التجاري الأول لإيران؛ حجم التبادل التجاري بينهما يتراوح بين 30 و40 مليار دولار سنويًا رغم العقوبات، وتشمل الصادرات الإيرانية النفط والبتروكيماويات، مقابل واردات صينية من السلع الصناعية والتكنولوجية. اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عامًا بين البلدين (الموقعة عام 2021) تعكس توجهًا إيرانيًا للاندماج في مبادرة “الحزام والطريق”، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

مع روسيا، ازداد التعاون بعد حرب أوكرانيا، خاصة في مجالات الطاقة، والمقايضة النفطية، والتعاون العسكري. حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 4–5 مليارات دولار مؤخرًا، مع مساعٍ لرفعه عبر ممر النقل الدولي “شمال–جنوب” الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر إيران. هذا الممر قد يُعيد رسم بعض طرق التجارة الآسيوية إذا استقر سياسيًا.

رغم هذه الإمكانات، يعيش الاقتصاد الإيراني منذ عقود في حالة اختناق هيكلي. العقوبات الأمريكية منذ 1979، ثم تشديدها بعد 2018، أخرجت إيران فعليًا من النظام المالي العالمي (SWIFT)، وقيّدت استثماراتها الأجنبية، وخفّضت صادراتها النفطية بأكثر من النصف في بعض السنوات. معدل التضخم تجاوز في فترات عدة 40%، والعملة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، فيما تُقدّر البطالة الرسمية بنحو 9–12%، مع بطالة شبابية تجاوزت 20%.

غير أن تحميل العقوبات وحدها مسؤولية الأزمة يُخفي الحقيقة الأكثر حساسية، الاقتصاد الإيراني لم يكن مدنيًا بالكامل، بل شبه عسكري. فمؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري تسيطر، وفق تقديرات متعددة، على ما بين 20% إلى 30% من الاقتصاد، وترتفع بعض التقديرات إلى حدود 40% عند احتساب الشركات الواجهة والصناديق التابعة له. هذه السيطرة تمتد من الإنشاءات والطاقة إلى الاتصالات والموانئ، وقد تجسدت بوضوح في صفقة الاستحواذ على شركة الاتصالات عام 2009 بقيمة قاربت 7.8 مليار دولار. النتيجة كانت اقتصادًا موجَّهًا بالعقيدة الأمنية لا بقواعد السوق، منافسة ضعيفة، احتكار عقود، وتراجع دور القطاع الخاص المستقل.

الأكثر كلفة كان الامتداد الإقليمي. فمنذ 2011، تشير تقديرات بحثية إلى أن إيران أنفقت في سوريا وحدها ما بين 20 إلى 30 مليار دولار، بين خطوط ائتمان ودعم عسكري ونفطي. وفي لبنان، قُدّر الدعم السنوي لحزب الله بين 700 مليون إلى مليار دولار. وفي العراق خلال سنوات الذروة ضد داعش، تراوح الدعم المباشر وغير المباشر بين 1 إلى 2 مليار دولار سنويًا، إضافة إلى مئات الملايين في اليمن. إجمالًا، يمكن تقدير الإنفاق الخارجي خلال عقد واحد بأكثر من 50 مليار دولار، رقم كان كفيلًا بإعادة تحديث البنية التحتية الوطنية أو خلق مئات آلاف الوظائف.

وفي المقابل، كان الداخل يواجه تضخمًا تجاوز 48% في عدة سنوات، وفقدت العملة أكثر من 80% من قيمتها في عام 2018، وخلال 12 شهرًا حتى أوائل 2026، انخفضت العملة بأكثر من 3,000% في البيانات السنوية لسعر الصرف الحر.، بينما تجاوزت البطالة الشبابية 20%، وتآكلت الطبقة الوسطى بصورة غير مسبوقة. المفارقة الصادمة أن إيران لم تُستنزف بسبب فقر الموارد، فهي تملك رابع أكبر احتياطي نفطي وثاني أكبر احتياطي غاز عالميًا، بل بسبب تحويل الثروة إلى مشروع نفوذ بدل مشروع تنمية.

هكذا تداخل عاملان قاتلان، عقوبات خارجية تضغط، وبنية داخلية شبه عسكرية تستنزف. فكان الاقتصاد محاصرًا من الخارج، ومُثقَلًا من الداخل.

إيران، لو كانت اقتصادًا مندمجًا بالكامل في الأسواق العالمية، لكان بإمكانها أن تكون ضمن مجموعة العشرين فعلًا، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين آسيا الوسطى والخليج وأوروبا، ومن ثرواتها الطاقية، ومن سوقها الكبيرة. لكن سياساتها الإيديولوجية والصراعات الممتدة جعلتها لاعبًا معاقَبًا بدل أن تكون شريكًا كاملاً.

تأثير إيران على الاقتصاد العالمي مزدوج:

إيجابي محتملًا عبر استقرار إمدادات الطاقة، وربط ممرات التجارة بين الشرق والغرب، وزيادة العرض النفطي والغازي بما يخفّض الأسعار.

وسلبي عند التصعيد، إذ يؤدي أي توتر في الخليج إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ورفع تكاليف النقل البحري، وزيادة التضخم عالميًا، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا.

وإذا كان الحديث يدور عن كلفة حرب محتملة، فإن السؤال لا يتوقف عند حجم ما ستنفقه الولايات المتحدة، بل عند الكيفية التي يمكن أن تُعاد بها صياغة هذه الكلفة اقتصاديًا بعد انتهاء المواجهة. فالتجارب السابقة تُظهر أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لم تكن عمليات عسكرية فحسب، بل مشاريع إعادة تشكيل اقتصادي طويل الأمد. حرب العراق مثلًا كلّفت واشنطن ما يُقدَّر بين 1 إلى 2 تريليون دولار عند احتساب الكلفة المباشرة وغير المباشرة، فيما تجاوزت كلفة أفغانستان تريليوني دولار. أما في حالة إيران، فإن السيناريوهات تختلف باختلاف مستوى التصعيد: ضربات جوية محدودة قد تتراوح كلفتها بين 100 و300 مليار دولار، حرب جوية–بحرية موسعة قد تقترب من 300 إلى 800 مليار دولار، أما حرب شاملة طويلة فقد تلامس أو تتجاوز التريليون دولار.

لكن “دفع الفاتورة” لا يتم عبر تعويضات رسمية، بل عبر إعادة هندسة الاقتصاد المهزوم. فإذا افترضنا، جدليًا، أن إيران خرجت من حرب واسعة وهي في موقع ضعف سياسي، فإن قطاعها الطاقي وحده يمثل فرصة استثمارية قد تتجاوز 200 إلى 300 مليار دولار خلال عقد لإعادة تطوير الحقول والبنية التحتية. دخول شركات غربية كبرى بعقود طويلة الأمد، وخصخصة أصول استراتيجية، وإعادة ربط النظام المصرفي الإيراني بالمنظومة المالية التي تقودها واشنطن، كلها أدوات يمكن أن تُحوِّل كلفة الحرب إلى عوائد اقتصادية غير مباشرة.

اقتصاديًا، عودة إيران بكامل طاقتها الإنتاجية قد تضيف إلى السوق العالمية ما بين 2 إلى 3 ملايين برميل يوميًا فوق مستوياتها المقيدة، ما يخلق تأثيرًا مباشرًا على الأسعار العالمية، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على تعديل توازنات سوق الطاقة في مواجهة روسيا أو أوبك بلس. كذلك فإن إعادة دمج اقتصاد بحجم يقارب 90 مليون نسمة في السوق العالمية تعني فتح سوق استهلاكية واستثمارية ضخمة أمام التكنولوجيا والطيران والصناعة الغربية، وهو مكسب استراتيجي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

غير أن هذه المعادلة ليست مضمونة. فكما أظهرت تجربة العراق، يمكن أن تتحول كلفة الحرب إلى فوضى تُبدّد العوائد المتوقعة إذا لم تُضبط عملية الانتقال سياسيًا ومؤسسيًا. وبالتالي فإن نسبة “الاسترداد” الاقتصادي المحتمل، إن صح التعبير، قد تتراوح نظريًا بين نصف الكلفة أو أكثر على المدى الطويل، إذا تمّت إعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني ضمن منظومة مالية غربية مستقرة. أما إذا انزلقت البلاد إلى تفكك داخلي أو صراع ممتد، فقد تتحول الحرب إلى عبء جديد على الاقتصاد العالمي بدل أن تكون استثمارًا جيوسياسيًا ناجحًا.

وهنا يتضح أن السؤال الحقيقي ليس فقط كم ستنفق أمريكا، بل أي شكل من إيران سيخرج بعد الحرب، دولة مُعاد دمجها في النظام الاقتصادي العالمي بشروط جديدة، أم ساحة اضطراب تضاعف الكلفة على الجميع.

إيران ليست دولة فقيرة الموارد، بل دولة غنية الإمكانات فقيرة الإدارة. أزمتها ليست في الثروة، بل في نموذج الحكم والخيارات الجيوسياسية. وإذا استمرت السياسات الحالية، فإن آثار الاختناق الاقتصادي، الثقافي والاجتماعي والسياسي، قد تمتد عقودًا، كما حدث في العراق بعد 2003 حين أدى تفكك الدولة إلى اقتصاد ريعي فاسد وهيمنة ميليشياوية عطلت إمكاناته الهائلة. الفرق أن حجم إيران السكاني والاقتصادي يجعل تداعياتها أوسع بكثير، وأي انهيار غير مضبوط فيها لن يكون شأنًا محليًا، بل زلزالًا إقليميًا ذا ارتدادات عالمية.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق