خلفيات البعد اللغوي و آفاقه الحضارية عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
خلفيات البعد اللغوي و آفاقه الحضارية عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
فرنسا أنشأت كرسي للهجات البربرية عام 1885 لضرب اللغة العربية
( الحركة السيكولوجية كانت السلاح الأساسي و المنتهى العسكري للسياسة الثقافية الفرنسية)
من الواجب اليوم استحضار السياقات التاريخية للحركة الإصلاحية في الجزائر، و المرافعات المختلفة في وجه الاستعمار، لتوطيد العربية في مقامها الطبيعي كلغة شعب و وطن، و الإضافات التي سجلتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لصالح اللغة العربية، خاصة و أن كثير من كتابات الفرنسيين أكدت مظاهر الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من خلال استبدال اللغة العربة بالفرنسية باستعمال الأمازيغية كطعم لضرب اللغة العربية، و يجمع منظرون لغويون على أنه حلان الوقت اليوم
لاستحداث منهاج مكتبي في الكتاب المدرسي للتعريف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في النهوض باللغة العربية و ترقيتها، و الدفاع عن الهوية و محاربة الجهوية و الطائفية، و إعادة قراءة نشاط جمعية العلماء المسلمين قراءة تاريخية عصرية، و هذا بالنظر للنجاح الذي حققته في مسيرة التوعية و بعث اليقظة و إحياء الضمير و تطوير الثقافة العربية الإسلامية، و توحيد أبناء الشعب الجزائري تحت راية العروبة و الإسلام
استطاعت جمعية العلماء المسلمين بقيادة عبد الحميد ابن باديس أن تُكَوِّنَ جيلاً قرآنيًّا في الجزائر، يحمل لسانا عربيا فصيحا، حيث صارت اللغة العربية إحدى قضايا الفكر التي شغلت بال المفكرين و السياسيين، و لذا انصرف علماء الجمعية إلى تناول الظاهرة اللغوية في الجزائر و تناولوا أبعادها السياسية و الاجتماعية و الثقافية و آفاقها الحضارية باعتبارها ليست ميزة قبلية تتباهى بها الأجناس، بل لأبعادها الحضارية و امتدادها في “الزمكان” من أجل تحقيق الوحدة بين الأجيال، فمنذ تأسيسها لعبت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ( ج.ع.م.ج) برئاسة العلّامة عبد الحميد ابن باديس دورا كبيرا في مجال اللغة العربية و مختلف مجالات الهوية العربية الإسلامية للجزائر، بحيث لم تكن اللغة العربية عند علماء الجمعية مجرد لغة منتسبة إلى العرب، و لكنها ظلت اللغة الأمّ التي يشترك فيها كل من يدين بالإسلام، ففي دراسة له يرجع الدكتور مصطفى عبيد من جامعة المسيلة أن انتشار اللغة العربية كان بسبب دخول الأمازيغ في الإسلام عن قناعة و طواعية، و استطاعت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ان توحد بين البناء الوطن الواحد، و أبطلت مقولة أن الظاهرة الإسلامية في الجزائر تعيش على الصراع، و أن الإسلام في الجزائر إسلام ” طايوان” و زائف، و شابته الخرافات و البدع، فسعت الجمعية إلى تطهير الدين الأصيل، بحكم أنه الدّين الذي وحّدَ الجزائريين، الذين كانوا وحدة متماسكة بين “عربيّ و بربريّ” قبل أن يأتي الاستعمار الذي عمل على زعزعة النزعة البربرية، و قال ان إسلام هذه المنطقة سطحي.
عبد الحميد ابن باديس و الحرب على الطائفية و الجهوية
فقد ركزت الجمعية برئاسة عبد الحميد ابن باديس على أن الإسلام هو القاسم المشترك بين جميع شرائح المجتمع الجزائري، فقد ساهم الأمازيغ في فنون العربية و وحدة الجيش ، و ساهموا في توسيع رقعة الإسلام، و ذلك بفضل جهود العلماء الأمازيغ، من بينهم عبد العزيز بن عمر، الشيخ الورتلاني، و الدور نفسه قام به “المجتمع الإباضي” في الدولة الرستمية، عندما شكلوا الوحدة الإسلامية ، حيث عاش “الشيعة” مع أهل المنطقة، في أمان و استقرار بحيث لم تكن هناك صراعات طائفية بينهم، كانت جمعية العلماء المسلمين عنصرا للوحدة العربية و الإسلامية و الوحدة الوطنية ، مما مكنها من أن تواجه بقوة القوانين الاستعمارية للقضاء على اللغة العربية ( قوانين الأهالي في 1871، التشريع المدرسي الجديد في 1883، و قانون 19 مارس 1900 ) و الترويج للهجات المحلية بدلا من اللغة العربية، مثل الأمازيغية ، و كانت انعكاسات هذه السياسة على الصعيد الثقافي و الديني و الاجتماعي و السياسي، فكان التّضييق على الدّين في منع المساجد و زعزعة الفكر التحرّري و الاستقلالي، من خلال زرع الفتن بين “الإصلاحيين و الثوريين” عبر إدماج الفكر الشيوعي في أذهان الجزائريين، و من هنا يستخلص كل من اطلع على الدور الجليّ الذي قامت به الجمعية ، منذ إنشائها سنة 1931 و رسمها الخطوط العريضة للثقافة العربية الجزائرية و اللسان العربي المبين، و نتيجة خبرة روادها دينيا و فكريا و ثقافيا أحدثوا نهضة عربية هزت الكيان الفرنسي، فكانت منبرا رائدا للإصلاح، لدرجة أن باحثين عرب استنجدوا بها في التصدي للصراعات الطائفية ، و أحدثت صدى إعلاميا مثلته جريدة المنتقد و جريدة البصائر و الشهاب ، يُشَارُ هنا للدور الذي لعبته صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مواجهة المشروع الاستعماري في الجزائر ، حين ركزت فرنسا على صناعة نخبة أهلية مفرنسة من أجل إنجاح سياسة الفَرْنَسَة ، من أجل الحفاظ على ديمومة فرنسا بالجزائر.
كما نشرت فرنسا قاموسا فرنسيا -بربريا ، عنوانه اللهجة المكتوبة و المنطوقة من سكان القبائل في منطقة الجزائر العاصمة، وباسم التسامح الديني شكل تكوين المعلمين عنصرا جوهريا في السياسة المدرسية الفرنسية، من أجل بقاء الجزائر فرنسية و إدماجها الكلي في فرنسا، و في إطار سياستها البربرية أسست فرنسا المدارس في القرى بالقبائل و سمتها مدارس وزارية، بالإضافة إلى إنشاء كرسي للهجات البربرية عام 1885، غير أن ردود الثورة التحررية الجزائرية دفع بفرنسا إلى تغيير سياستها و تفكر في وسائل أخرى للمواجهة، حسب المصادر، فقد رسّمت فرنسا إنشاء مكتب للحركة السيكولوجية بالمنطقة العسكرية العاشرة في جويلية 1955 ، و إعطاء إشارة انطلاق السلاح السابع، و هو الاعتماد على الجانب السيكولوجي ، بالتأثير على مشاعرهم و سلوكاتهم و قيادتهم في الاتجاه الذي يخدم خططها و أهدافها، و هكذا غدت الحركة السيكولوجية بين سنتي 1955و 1958 السلاح الأساسي و المنتهى العسكري للسياسة الثقافية، كانت هذه الحركة ظاهرة تكتسي اليوم أهمية معتبرة أكثر فأكثر في مجال العلاقات الدولية ، و حروب الغد ستكون دماغية، كما ستكون الثقافة عن قريب المرجع الوحيد للهوية المقبول في مجتمع عابر للقوميات.
البعد اللغوي في نشاط جمعية العلماء المسلمين داخل المعتقلات
و لم يسلم أعضاء الجمعية من العلماء من المضايقات الفرنسية، فقد تعرضوا للاعتقالات و سجنوا من أجل النهوض باللغة العربية، بعدما جعل المستعمر اللغة العربية لغة أجنبية من خلال قانون مارس 1938، و رفضت الجمعية المشروع ، و أدت إلى تحريك الرّأي العام، بأن اللغة العربية ليست دخيلة، بل هي في دارها و بين حماتها و أنصارها، و ممتدة الجذور مع الماضي، و تعتبر مقوما أساسيا للكيان الجزائري، فقد قام رجالات جمعية العلماء المسلمين بنشاط جبار داخل المعتقلات و هم وراء القضبان الحديدة و الحراسة المشددة، خلال سنوات الثورة التحريرية، و كعينة فقط، فقد شهد معتقل آفلو بولاية الأغواط، نشاط مكثف لأعضاء الجمعية تمثل في تقديم الندوات لغرس الوعي بالقضية الوطنية، و من هؤلاء الشيخ أحمد سحنون ، و الشيخ عتيق، و عبد القادر الياجوري ، و قادة الشاذلي من تيارت، و الشيخ الثعالبي و غيرهم، و ضمت المعتقلات عدد من النفسانيين الفرنسيين لاستدراج المعتقلين و تغيير قناعاتهم، تشرف عليهم لجنة تسمى اللجنة المديرة، كان لهذا البعد اللغوي داخل و خارج المعتقلات خلفيات، الهدف من ورائها إحياء التراث، حيث عملت جمعية العلماء المسلمين على التوغل في المجتمع، فكانت هناك بعثات ” ميزابية” لتعلم اللغة العربية.
و بسبب التضييق عليها، كان وصول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى بعض المناطق صعب جدا ، و بخاصة منطقة وادي ريغ ، نظرا للطبيعة الجغرافية للمنطقة، حيث تمكن الاستعمار من الولوج إلى هده المنطقة في 05 ديسمبر 1945 و كان هدفها الولوج إلى الصحراء الشرقية و الشروع في سياسة التجهيل ومحو الأمية و غرس الثقافة و اللغة الفرنسية، حيث ارتكز النشاط الفرنسي في المنطقة على الجانب الثقافي و الديني من خلال تأسيس مدارس و مراكز دينية على النمط الفرنسي، كما استطاعت الأخوات البيض التأثير على المجتمع الريفي لاسيما النساء منهن، اللاتي كن يخضعن إلى عمليات التوليد على أيدي الأخوات البيض، و تأسست علاقات بينهن ، مما سهل نشر التعاليم المسيحية في المنطقة و ما زالت هذه الظاهرة إلى اليوم، في مقابل ذلك تعرضت المحاولات الفرنسية لمقاومة شديدة من قبل جمعية العلماء المسلمين ، وأمام تلك الصعوبات تواصلت الجمعية مع شيوخ المنطقة، فأسست المدارس و منها مدرسة الفلاح و مدرسة النجاح الحُرّة، الواقعة بالمغير، و كان الشيخ البشير الإبراهيمي لسان حال الجمعية بعد وافة ابن باديس قد زار هذه المدارس و شجع الأهالي على جمع الأموال لدعمها، لقد نافح البشير الإبراهيمي مؤصلا و مدافعا عندما قال: ” إن اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة و لا دخيلة، بل هي في دارها و بين حماتها، و هي ممتدة الجذور مع الماضي و مع الحاضر طويلة الأفنان في المستقبل، لأنها دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألْسِنَة الفاتحين ترحل برحيلهم و تقيم بإقامتهم، فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد… أقامت معه العربية لا تزيح و لا تبرح و مادام الإسلام مقيما فلا تتزحزح،
علجية عيش



إرسال التعليق