لماذا ركّزت النهضة الصناعية الحديثة على المادة وأهملت الجانب الرّوحي والأخلاقي؟
م. فوزي
*
رغم الدور الكبير الذي لعبته الحضارة الإسلامية في التمهيد للنّهضة الأوروبيّة، إلّـا أنّه، و لأسباب سياسية وأخرى عقائدية وفكرية، هناك تعتيما واضحا على هذا الفضل الكبير. فقد شهد العالم في القرون الأخيرة ما يُعرف بالنّهضة العصريّة، وهي مرحلة تميّزت بتقدّم علميّ وتكنولوجيّ غيّر وجه الحياة ومكّن البشرية من تحقيق إنجازات في شتّى المجالات. غير أنّ هذا التطوّر لم يكن خاليًا من الأمراض والآفات، بعضها خطيرة أضرّت كثيرا بالإنسان والبيئة، والقيّم والأخلاق.
لقد مثّلت النهضة العصرية نقطة تحوّل كبرى في مسار الإنسانية، إذ حرّرت الإنسان من الجهل والخرافة، وفتحت أمامه أبواب العلم والمعرفة. لكنّ الوجه الآخر لهذا التقدّم كان معتّما ومظلما؛ فقد أدّى الإفراط في استخدام المواد الكيميائية إلى تلوّث التربة والماء و الهواء. كما ساهمت المستحضرات الطبيّة الصناعيّة في انتشار الأمراض بسبب الآثار الجانبية الخطيرة، في حين يعتبر الطب البديل والعلاج بالأعشاب أقل ضررا و أكثر نجاعة. إلى جانب ذلك كلّه، ساهمت التكنولوجيا الحديثة في تفكّك الروابط الاجتماعية وظهور العزلة والأمراض النفسيّة مثل القلق والكآبة وسط الشباب.
ولا يمكننا إنكار وأنّ النهضة الصناعية الحديثة قد غيّرت وجه العالم وفتحت أمام الإنسان آفاقًا واسعة وفي كل الميادين و المجالات؛ في العلم والمعرفة والسياسة والاقتصاد والاتّصال… وحتى إن حياتنا اليوم أصبحت قائمة على كل ما يتّصل بالكهرباء من أجهزة فائقة التطوّر؛ ومثل الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فمن واجبنا أن ننتقد هذه النهضة خاصّة عندما يتحوّل التقدّم المادي إلى خطرٍ يهدّد الإنسان والطبيعة.
وعلى الرّغم من إنجازاتها العظيمة، فالنهضة الصناعية جعلت الإنسان أسيرًا للآلة، ودفعت بالمجتمعات الإنسانية إلى تبنّي الماديّة المفرطة وهذا على حساب القيّم الرّوحية والأخلاقية. كما ساهمت في تدمير البيئة عبر التلوّث واستنزاف الموارد الطبيعية، وخلقت طبقية بين المجتمعات. ولا يعني كوننا أبناء هذا العصر أن نقف صامتين أمام سلبياته، بل يجب أن نمارس نقدًا واعيًا وبنّاءً يهدف إلى تصحيح المسار، لا إلى رفض التقدّم. فالنهضة الحقيقية ليست في كثرة المصانع والآلات، بل في قدرة الإنسان على توجيه العلم نحو الخير وخدمة الإنسانية.
ودفعني الفضول وحب بالمعرفة إلى طرق باب الفاضل (Chat gpt) فطرحتُ عليه السؤال: – لماذا ركّزت النهضة الصناعية الحديثة والمعاصرة على المادة والعقلانية والتكنولوجيا وأهملت الجانب الرّوحي والأخلاقي؟
فكان جوابه كالتّالي:
النهضة الصناعية الحديثة والمعاصرة ركّزت على المادة والعقلانية والتكنولوجيا وأهملت الجانب الروحي لأسباب تاريخية وفكرية متشابكة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- ردّ فعل على الكنيسة وسلطويتها في العصور الوسطى، و قبل النهضة كانت الكنيسة في أوروبا تتحكّم في الفكر والمجتمع، ومنعت الاكتشافات العلمية، واعتبرت بعض العلماء مهرطقين.
عندما جاءت النهضة الفكرية والعلمية، أراد المفكرون والعلماء التحرّر من سلطة الدين، فركّزوا على العقل والتجربة بدل الإيمان والغيبيات. أي أن إهمال الروح كان ردّة فعل على التسلّط الديني.
الثورة العلمية والتجريبية:
مع ظهور علماء مثل غاليليو، ونيوتن، وديكارت، أصبح العلم التجريبي هو الطريق الوحيد للمعرفة الموثوقة؛ كل ما لا يُقاس ولا يُختبر، عُدّ غير علمي. الجانب الروحي لا يمكن قياسه أو إخضاعه للتجربة، فتم تهميشه في الفكر الغربي الحديث.
النزعة المادية (المذهب المادي):
الفكر الفلسفي الحديث تبنّى فكرة أن الواقع هو ما يُرى ويُلمس، واعتبر الإنسان مجرد كائن بيولوجي يخضع لقوانين الطبيعة، هذا أدّى إلى تغليب المادة على الروح، والمنفعة على القيم.
التطوّر الصناعي والبحث عن الربح:
الثورة الصناعية في القرنين 18 و19 جعلت الهدف الأساسي هو الإنتاج والربح، والسيطرة على الطبيعة. وصارت التكنولوجيا والعلم وسيلتين للهيمنة المادية. أما الروح والقيم فاعتُبرت عوائق أمام التقدّم والنّجاح الاقتصادي.
العَلمانية وفصل الدين عن الحياة العامة:
بسبب الحروب الدينية في أوروبا، ظهرت فكرة العَلمانية: أي فصل الدين عن الدولة والعلم، وتمّ حصر الدين في الحياة الخاصة. بينما صارت الحياة العامة تسير وفق العقل والمادة.
وكان نتيجة ذلك: أزمة روحية وإنسانية رغم التقدّم التكنولوجي الهائل، فصار الإنسان المعاصر يعاني من الفراغ الروحي والأمراض النفسية والإجتماعية مثل: الوسواس والقلق والاكتئاب، وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية.
الخلاصة
ركّزت النهضة الصناعية على المادة والعقل لأنها كانت ثورة ضد الجهل والتسلّط الديني، لكنها بالغت في ذلك فأهملت الروح، مما أدى إلى أزمة حضارية تحتاج إلى توازن جديد بين العلم والإيمان، بين التقدّم المادي والقيم الإنسانية.



إرسال التعليق