قراءة في كتاب «منطق الصهيونية» لديفيد نورت
زياد الزبيدي
في كتابه الجديد «منطق الصهيونية: من الأسطورة القومية المتطرفة إلى الإبادة في غزة»، الصادر في طبعته الثانية عام 2024، يقدّم المفكر الماركسي الأميركي ديفيد نورت واحدة من أكثر القراءات عمقاً وإتساقاً في نقد المشروع الصهيوني منذ عقود. ليس بوصفه حدثاً سياسياً طارئاً، بل كمنظومة فكرية ممتدة جذورها في تاريخ الرأسمالية الأوروبية، وبلغت ذروتها الدموية في الحرب الأخيرة على غزة.
الكتاب يجمع أربع محاضرات ألقاها نورت بين أكتوبر 2023 ومارس 2024 في لندن وبرلين وديترويت، بينها محاضرة جديدة تتناول إستشهاد الجندي الأميركي “آرون بوشنل” الذي أحرق نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن إحتجاجًا على الإبادة في غزة. هذه الواقعة، كما يرى المؤلف، شكّلت رمزاً مأساوياً لإنكشاف التحالف بين الدولة الإسرائيلية والإمبريالية الغربية أمام ضمير جيلٍ جديد من الشباب حول العالم.
يبدأ نورت من تفكيك «الأسطورة القومية المتطرفة» التي قامت عليها الصهيونية. فبرأيه، لم تكن الصهيونية حركة تحرر وطني لليهود، بل رداً رجعياً على الإضطهاد الأوروبي نشأ من خوف البرجوازية اليهودية من المدّ العمالي والأممي في مطلع القرن العشرين. ومن هنا تحوّلت الصهيونية إلى مشروع للهروب من التاريخ الأوروبي لا لمواجهته، فكانت فلسطين هي المسرح المختار لإعادة إنتاج منطق الإضطهاد ولكن في صورة إستعمارية.
ويرى نورت أن الصهيونية منذ نشأتها كانت «تابعاً وظيفياً» للإمبريالية الغربية، أولاً البريطانية ثم الأميركية، التي وجدت فيها أداة لتثبيت هيمنتها على الشرق الأوسط. بهذا المعنى، ليست إسرائيل دولة قومية طبيعية، بل «قاعدة عسكرية بواجهة دينية» داخل منظومة السيطرة العالمية.
أما الإبادة في غزة، فيراها نورت ليست إنحرافاً عن مبادئ الصهيونية أو إستثناءً منها، بل تتويجاً لها. فحين تؤسس أيديولوجيا على فكرة التفوق العرقي وإحتكار الأرض والحق في الوجود، فإن النتيجة المنطقية لا يمكن أن تكون سوى الإقصاء والعنف. من هنا تأتي جرأة عنوان الكتاب: فالحرب على غزة ليست «أزمة إنسانية» فحسب، بل هي ذروة منطقٍ أيديولوجي طويل المدى.
في محاضرته في برلين في ديسمبر 2023، يقول نورت:
«رغم كل الرعب، هذه الحرب أيقظت الشباب وفتحت عيون العالم، وفضحت الصهيونية أمام التاريخ».
يستنتج من ذلك أن المأساة نفسها تحمل بذور الوعي الجديد، إذ إن حركة التضامن العالمية مع فلسطين ليست حدثاً عاطفياً عابراً، بل بداية تشكّل وعي أممي جديد ضد العنصرية والإستعمار.
الكتاب لا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح أيضاً مشروعاً للنضال السياسي، قوامه تنظيم الطبقة العاملة العالمية لمواجهة التحالف بين الصهيونية والرأسمالية. فبالنسبة إلى نورت، لا يمكن تحرير فلسطين إلا ضمن عملية تحرر عالمي من النظام الإقتصادي الذي أنجب الصهيونية وموّلها وحماها.
أسلوب نورت مكثف ومشحون بالجدل الفكري، لكنه يستند إلى وثائق ومراجع تاريخية دقيقة، ما يمنح حججه قوةً تتجاوز الخطاب الأيديولوجي المعتاد.
في الخلاصة، يقدم «منطق الصهيونية» قراءة فكرية–أخلاقية في لحظة تاريخية دامية، تذكّر بأن ما يحدث في غزة ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة حتمية لبنية فكرية إستعمارية بدأت منذ أكثر من قرن. وهو في الوقت ذاته نداء عالمي للمسؤولية والوعي، إذ يرى نورت أن مواجهة الصهيونية اليوم هي إختبار لإنسانيتنا قبل أن تكون معركة سياسية.
«كلما ازداد القصف، إزداد وعي الشعوب» – ديفيد نورت.
هوامش
1) الكتاب «منطق الصهيونية: من الأسطورة القومية المتطرفة إلى الإبادة في غزة» (The Logic of Zionism: From the Nationalist Myth to the Genocide in Gaza)
صدر عن دار مهرينغ للنشر (Mehring Books)، وهي دار تابعة للحركة الماركسية العالمية (World Socialist Web Site – WSWS).
🔸 الطبعة الأولى: صدرت في ديسمبر 2023، متزامنة مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة.
🔸 الطبعة الثانية (المحدَّثة): صدرت في يونيو 2024، وتشمل إضافة محاضرة جديدة بعنوان: «الإبادة في غزة ووفاة آرون بوشنل: ما الدروس السياسية؟»
أُلقيت في مارس 2024.
2) ديفيد نورت
مفكر ماركسي أميركي ورئيس هيئة تحرير موقع World Socialist Web Site (WSWS)، يُعد من أبرز منظّري الحركة التروتسكية المعاصرة. يشتهر بكتاباته حول الإمبريالية، والأزمات الرأسمالية، والنقد الفكري للصهيونية والسياسات الأميركية.



إرسال التعليق