مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!

منذر علي

ليس ما جرى في شرم الشيخ “مؤتمر سلام” بالمعنى المألوف، بل عملية إعادة هيكلة للمنطقة تحت مظلة خطابٍ دبلوماسي مضلِّل. إن الحديث عن “وقف شامل للحرب” لا يعني سوى وقفٍ مؤقتٍ لأحد مظاهرها الأكثر صخبًا، تمهيدًا لمرحلةٍ جديدة من السيطرة الهادئة والممنهجة. فالحرب في غزة والضفة الغربية لن تتوقّف، بل ستغيّر أدواتها ووُجوهها. سيُنتزع سلاح المقاومة، وتُدمّر الأنفاق التي تمثّل شرايين الدفاع الشعبي، فيمَا تستمرّ عمليات الاغتيال والاستيطان والتدجين بأسماءٍ جديدة وتحت ذرائع منمّقة مثل “الأمن” و”الاستقرار” و”إعادة الإعمار”.

غير أنّ هذا التعديل التكتيكي الداخلـي لا يُلغي استمرار الحرب في محيط فلسطين، بل يوسّع أفقها. فالمعارك ستنتقل إلى ساحاتٍ إقليمية، لتأخذ أشكالًا متعدّدة: اغتيالات سياسية، إشعال طائفي بين الشيعة والسنّة، نزاعات دينية بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، وتأجيج التوتر بين الأقليات — من الدروز والأكراد — وسلطات الحكم السنيّة في سوريَا. السيناريو ذاته يُعاد إنتاجه في اليمن، حيث تُستثمر الانقسامات بين الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي وسلطة الحوثيين لإدامة الفوضى المقنّنة، وفي العراق عبر تناقضات السلطة المركزية مع الحشد الشعبي، ثم في جَنُوب آسيا بين باكستان وأفغانستان، و باكستان والهند. كلّ تلك الصراعات ليست حوادث طارئة، بل استراتيجيات دقيقة لإبقاء المنطقة في حالة احتراقٍ داخليّ دائم.

في ظلّ هذه الفوضى المنسّقة، ستجد الولايات المتحدة وإسرائيل الفرصة لتعزيز تحالفاتهما مع القُوَى السياسية المتماهية مع النزعات الصهيونية والرجعية، المناهضة لأيّ مشروع استقلال أو وحدة وطنية أو عربية. فبدل أن تُفرض الهيمنة عبر الجيوش، ستُمارَس عبر نخَبٍ عربية تُعيد إنتاج التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية بأيديها. وهكذا تُهيَّأ الأرض لمرحلة الانتحار السياسي الذاتي، حيث تدمّر الأنظمة مقوّمات السيادة من الداخل بلا حاجة لاحتلالٍ مباشر.

وستكون إيران الهدف التالي في هذه الخُطَّة الكوكبية. فالحصار الاقتصادي والتجفيف السياسي ليسا سوى مقدّمة لمحاولة إخضاع النظام أو تفكيكه من الداخل، بمساعدة معارضةٍ تعمل وفق أجنداتٍ متشابكة مع إسرائيل وبعض الدول الخليجية والغربية. وفي النتيجة، سيتمّ تعزيز مكانة إسرائيل لا باعتبارها مجرّد دولة، بل بوصفها محورًا استراتيجيًا للهيمنة الإمبريالية في المنطقة، وجسرًا بين القوة الغربية التقليدية ومصالحها في الشرق الأوسط.

في الأشهر والسنوات القليلة المقبلة، ستشهد المنطقة عملية ترويضٍ سياسيٍّ منظمة للعالم العربي. الهدف ليس إشاعة السلام، بل إنتاج القبول القسري بالتطبيع مع إسرائيل، بعد إنهاك الدول وتجريدها من الإرادة المستقلة. ومع هذا الإخضاع الناعم، تُعاد صياغة الجغرافيا السياسية بما يخدم إعادة التوازن العالمي لمصلحة القُوَى الإمبريالية الكبرى — الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وكندا، وأستراليَا، واليابان وكوريا الجنوبية — في مواجهة القُوَى الصاعدة كالصين وروسيا. فاليابان وتايلاند توظفان لمحاصرة الصين، وأوكرانيا تستنزف روسيا، بينما تواجه كوريا الشِّمالية والدول المستقلة في إفريقيَا وأمريكا الجنوبية ضغوطًا متزايدة لإعادتها إلى بيت الطاعة الاقتصادي.

بهذا المعنى، لا يُمكن قراءة “مؤتمر سلام ترامب” إلا باعتباره جزءًا من مشروعٍ يُعيد تعريف الحرب نفسها: حربٌ بلا جيوش، واحتلالٌ بلا دبابات، وسيطرةٌ تُمارَس بآليات الاقتصاد والدبلوماسية والإعلام. تحت شعار “السلام”، يجري تفريغ الوعي العربي من قدرته على الرفض، وتُبرمج المنطقة لتخدم مصالح الآخرين بينما تتوهم أنها تملك قرارها.
إن ما بعد مؤتمر شرم الشيخ هو بداية لمرحلة جديدة من الاستعمار، أكثر ذكاءً وأشد خطورة. فبدل القنابل، هناك الاتفاقيات؛ وبدل الاحتلال المباشر، هناك أنظمة تنفّذ أوامر الخارج عن طيب خاطر. السلام الموعود هو الوجه الهادئ للحرب المستمرة.

في نهاية المطاف، لا يكمن الخطر الحقيقي في مؤتمرات السلام الزائفة ولا في الاتفاقيات المصاغة في الغرف المغلقة، بل في قابلية الشعوب لتصديق الأوهام التي تُروَّج باسم الواقعية. فحين تُمنَح الهيمنة غطاءً لغويًّا من “السلام” و“الاستقرار”، تصبح اللغة ذاتها أداةً للاستعمار، ويغدو تزييف الوعي أخطر من الاحتلال العسكري. إنّ ما يواجهه العالم العربي اليوم ليس فقط غزوًا خارجيًا، بل تفكيكًا بطيئًا للوعي الجمعي — إذ يجري تحويل المواطن إلى متفرّج، والمجتمع إلى سوق، والثقافة إلى ملحقٍ بالدعاية السياسية.

لكنّ التاريخ لا يُكتب بحتميات السلطة وحدها. فكما أثبتت الشعوب في كل عصور القهر، يمكن للذاكرة أن تكون فعل مقاومة، وللكلمة أن تستعيد معناها كأداة تحرر. فحين يُستعاد الوعي، تُستعاد القدرة على الرفض، وحين يُستعاد الرفض، يبدأ التاريخ من جديد. إنّ كسر هذه الحلقة لا يتطلب جيوشًا، بل إدراكًا جمعيًّا بأنّ الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع بفعلٍ معرفيٍّ مستنير، ومعركة فكرية لا تقلّ خطورة عن معارك السلاح.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك