الكتابة بين الموهبة والصنعة .. بحث في وعي الكاتب ومسار التكوين

الكتابة بين الموهبة والصنعة .. بحث في وعي الكاتب ومسار التكوين
الأستاذ حشاني زغيدي

تمهيد
منذ أن وُجد الإنسان، وُجدت معه الحاجة إلى الكتابة، لأنها التعبير الأرقى عن الوعي الإنساني والاتصال بالآخر. غير أن السؤال الجوهري الذي يواجه كل من يخطّ أول كلمة يظل قائماً:
هل الكتابة ميلٌ فطريّ يولد مع الإنسان؟ أم هي صنعة تُكتسب بالمران والتعلّم؟
وهل يكفي الشغف ليكون المرء كاتباً، أم لا بدّ من أدوات ومعارف ومؤهلات؟
هذه الأسئلة ليست تنظيراً نظرياً، بل هي تأمل في جوهر الفعل الإبداعي ذاته، وفي الكيفية التي يتشكل بها الكاتب عبر التجربة والممارسة.

أولاً: بين الفطرة والصنعة – جدلية الروح والأداة
الكتابة في حقيقتها التقاء بين الروح والعقل، بين النداء الفطريّ والمهارة المكتسبة.
الفطرة هي النبع الأول، وهي ما يدفع الإنسان إلى تحويل أحاسيسه وتجربته إلى كلمات. هي صوت الداخل الذي يُلهمه القول، ويدفعه إلى التعبير عن جوهر الوجود.
أما الصنعة، فهي الجسر الذي تعبر عليه هذه الفطرة نحو النضج. إنها الجانب التقني الذي يتطلّب الممارسة والصبر، وضبط اللغة والأسلوب، وإتقان أدوات البيان.
الفطرة بلا صنعة كالنور المحبوس في صدفة، والصنعة بلا فطرة جسد بلا روح. ولا يتحقق الإبداع الحقّ إلا حين يلتقي الصدق الوجداني بالدقة الفنية، فيولد النصّ الحيّ المتوازن.

ثانيًا: بين الاستقصاء وإثبات الوجود – الدافع والغاية
يكتب الإنسان بدوافع متباينة، لكنها جميعًا تنبع من حاجته إلى الفهم والتعبير.
قد تكون الكتابة رغبة في الاستقصاء، أي شغفاً بالبحث والتأمل في الذات والعالم، ومحاولة لترتيب الفوضى الداخلية عبر الحروف.
وقد تكون وسيلة لإثبات الوجود، لتأكيد الذات أمام ضجيج العالم، وإعلان الحضور في سجلّ الحياة الثقافية.
كلا الباعثين مشروع، شريطة أن يتجه نحو البناء والإتقان، لا نحو الادعاء أو الظهور الخادع. فالكتابة الهادفة هي التي تنبع من وعيٍ عميقٍ بالمسؤولية، وتترجم نزعة الإنسان إلى الفهم والنفع والجمال.

ثالثًا: بين المران والوهم – مسار التكوين
الوهم الشائع أن الكتابة موهبة فطرية تكفي وحدها لإنتاج الأدب والفكر.
لكن الحقيقة أن الكتابة مسار تكويني طويل، يبدأ بالتجريب والخطأ، ويزدهر بالممارسة المتواصلة والتغذية الراجعة.
كل كاتب حقيقي هو تلميذ في مدرسة الكتابة مدى الحياة.
يكتب، فيخطئ، ثم يصوّب. يسقط في الجمود، فينهض بالإلهام.
فالموهبة بذرة، والممارسة تربة تنبت فيها. والمران ليس تكراراً ميكانيكياً، بل هو سيرورة وعي يُدرك فيها الكاتب حدوده، ويتدرّب على تجاوزها.

رابعًا: بين الكمّ والكيف – معيار القيمة
كثيرون يقيسون نجاح الكاتب بغزارة إنتاجه، لكن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الأثر.
النصّ الصادق المتقن، ولو كان قليلاً، أخلد من مؤلفات كثيرة بلا روح.
فالقليل المعبّر أفضل من الكثير الفارغ.
والكاتب الحقيقي هو من يترك أثراً نوعياً في الوعي الجمعي، لا من يملأ الرفوف بأعمال متشابهة.
إنّ معيار الكتابة الحقيقية هو العمق والصدق والتطور المستمر، لا الحضور الكمي العابر.

خامسًا: بين الجوهر والمظهر – وعي الكاتب في زمن الظهور
في عصر المنصّات والفضاءات المفتوحة، يسهل على الكاتب أن يُفتن بالشهرة أكثر من الجودة.
لكن الحضور الحقيقي لا يُقاس بالمتابعين، بل بما يُخلّفه النصّ من أثر في العقول والضمائر.
ليس الهدف أن تُكتب سيرتك في دفاتر التعريف، بل أن تُكتب أفكارك في وجدان الناس.
فالكاتب لا يخلّد اسمه بالصورة أو الضجيج، بل بإتقانه للحرفة وصدقه في القول.
من يكتب بإخلاص، تأتيه الفرص دون أن يسعى إليها، لأن الكلمة الصادقة لا تموت، وإن تأخّر صداها.

خاتمة: الكتابة مسار وعي وتحوّل
الكتابة ليست مهنةً ولا هوايةً عابرة، بل هي رحلة وعيٍ دائم، يتجدد فيها الكاتب كلما كتب.
هي جسر بين الفكر والإحساس، بين الذات والعالم.
هي تدريبٌ على النظر، وتأملٌ في الوجود، وصناعةٌ للمعنى.
وأن يطرح الكاتب الأسئلة حول ذاته ومساره، فذلك دليل وعيٍ ونضجٍ ومسؤولية.

فاكتب، أيها الكاتب، بصدق الموهبة ودقة الصنعة،
ودع حرفك يكون شاهداً على رحلتك في التكوين،
فالكلمة الصادقة لا تحتاج إلى إعلان،
بل يكفي أن تُقال لتُخلّد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك