تحولات الشرق الأوسط بين سقوط الأيديولوجيا وصعود الفرد
حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي
يطرح علي سؤال واحد وهو ما هي رؤيتك عن العراق مابعد الانتخابات البرلمانية ، أقول إن العراق جزء من المشروع الكبير لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، الجديد.
بعد هزيمة تنظيم داعش عام 2017، دار بيني وبين صديقٍ عزيزٍ نقاشٌ طويل حول ما بعد داعش في الشرق الأوسط، وخصوصًا في العراق وسوريا وتركيا وإيران. كان حوارًا بين الفكر والتاريخ، بين الواقع والاحتمال، عن المشروع القادم الذي يُعاد من خلاله تشكيل المنطقة، والذي سُمّي لاحقًا بـ “الشرق الأوسط الكبير”.
ناقشنا حينها أن الصراع القادم لن يكون بالسلاح، بل بالفكر والهُوية. وأن سقوط داعش لن يُنهي الأزمات، بل سيكشف عن تحوّل أعمق في بنية الأنظمة والمجتمعات.
لكن أكثر ما أثار دهشتي هو ما قاله صديقي عن مستقبل إيران. قال إن النظام الإيراني سيُجبر، عاجلاً أم آجلاً، على التحول نحو العلمانية، وإنه إذا اقتضت الضرورة لحماية نفسه من الانفجار الداخلي، فسيفتح ملاهي وبارات في قلب المدن التي كانت تُحكم باسم الدين. كنت أظنها آنذاك نبوءة خيالية، لكنها اليوم تقترب من الواقع.
فمنذ سنوات، تشهد إيران تمرّداً إجتماعياً ناعماً تقوده النساء، خرجن من عباءة الثورة إلى فضاء الحرية.
وها نحن نرى أن المرأة الإيرانية تخلّت تمامًا عن الحجاب بعد فرضه لأكثر من ستٍ وأربعين سنة، في مشهدٍ يعكس تحرر الوعي لا الجسد فقط، وإرادة جيلٍ وُلد من رحم الأيديولوجيا لكنه لم يعد يؤمن بها.
هذا الجيل لا يريد الحرب ولا الشعارات، بل الحياة، ولا يمكن للنظام أن يواجهه بالعنف إلى الأبد، لأنه أصبح تياراً ثقافياً عاماً لا يمكن احتواؤه.
وأعتقد أن هذا التحول نفسه بدأ يظهر في سوريا، فالمشهد هناك يُنبئ بأن بقاء جبهة تحرير الشام في الحكم لن يطول، وأن البلاد تتجه نحو كونفدراليات عرقية وطائفية ضمن إطار مدني شكلي، يعكس توازنات ما بعد الحرب أكثر مما يعكس إرادة الشعب.
وفي العراق، أرى أن الشعب لن يخوض حروباً جديدة بعد الآن. فقد أدرك أن الاستقرار أهم من الانتصارات المؤقتة، وأن الدولة المدنية هي المخرج الوحيد من دوامة الخراب. وربما تشهد الانتخابات القادمة تحولات جذرية تجعل تشكيل أي حكومة مرهوناً بالرؤية الدولية الجديدة للمنطقة.
أما في تركيا، فالمفاجأة الكبرى كانت فكرية قبل أن تكون سياسية.
من كان يصدق أن عبدالله أوجلان سيتراجع عن فكره القومي، ويصف نضاله السابق بأنه فكر رجعي، وأن ما يجمع الأتراك والأكراد ليس القومية، بل الهوية الدينية والتاريخ المشترك؟
إنه تحوّل في بنية الوعي القومي ذاته، من صراع العرق إلى وحدة المصير.
لكن هذا التحوّل الفكري لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي والسياسي للبلاد. فـ اقتصاد تركيا لم يعد يحتمل مزيداً من المجازفات الخارجية، خاصة بعد الأزمات المالية المتلاحقة وتراجع عملتها وازدياد اعتمادها على الاستثمارات الأجنبية.
ولذلك، فإن أنقرة اليوم أمام معادلة صعبة: إما أن تركّز على الداخل وجغرافيتها الحالية وتعيد ترميم اقتصادها ومؤسساتها، أو أن تدخل مرحلة الاهتزاز الداخلي التي قد تفتح الباب أمام الانقسام، إذا لم يُحسن النظام التعامل مع تنوع المجتمع التركي وتوازناته الحساسة.
وفي لبنان، تلقّى حزب الله هزيمة سياسية ومعنوية بعد حربه الأخيرة، وفقد العديدة من قادته في الصف الاول وخسر كثيراً من قدرته على احتكار “المقاومة” ، بينما تحوّل “طوفان الأقصى” من مواجهة إلى تفاوض إقليمي معقّد يعيد ترتيب المصالح في المنطقة لا الشعارات.
أما السعودية، التي كانت في العقود الماضية تصدّر التطرف الديني إلى العالم، بعدما تقاسمت أسرتا آل سعود وآل الشيخ السلطة بين السياسة والدين، فقد دخلت اليوم مرحلة التحول الجذري.
فبقيادة حفيد آل سعود، تمضي المملكة في رؤية 2030 نحو الانفتاح والتغيير، بعد أن كانت المرأة السعودية لا تخرج إلا بمحرم، ولا تقود السيارة.
واليوم نرى تركي آل الشيخ، حفيد محمد بن عبدالوهاب، يقود وزارة الترفيه وينظّم المهرجانات العالمية ودوريات كرة القدم النسائية. لقد تحولت المملكة من رمز للانغلاق إلى مختبر للانفتاح الاجتماعي والثقافي، وصارت المرأة السعودية متحررة من أغلب القيود التي كبّلتها لعقود.
أما خليجياً، فقد لعبت قطر دوراً مساعداً في انبثاق خريطة الشرق الأوسط الجديد، من خلال إعلامها وأموالها الطائلة التي أصبحت رهن إشارة الحركات المتطرفة، والتي كانت الأداة الفعالة لهذا المشروع الإقليمي الجديد.
لكن هذا الدور لن يدوم إلى الأبد، فمع تقدم التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، سينتفي الحاجة إليها تدريجيًا، وستهمش قدرتها على التأثير المباشر، بما يجعل الدور الخليجي يتكيف مع الموازين الجديدة بدلاً من فرض أجندات خارجية.
كل ذلك يعكس أن المنطقة تسير نحو تحول حتمي، حيث تتراجع الأيديولوجيا، وتتقدّم الدولة بمفهومها المدني الحديث، مهما اختلفت الأساليب والواجهات.
وختاماً:
إن ما يجري في الشرق الأوسط ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل تحوّل استراتيجي شامل يعيد رسم حدود الوعي قبل حدود الجغرافيا.
من سقوط التنظيمات المسلحة، إلى انحسار سلطة الكهنوت، إلى صعود الفرد بوصفه محور الدولة الحديثة — تتشكل ملامح شرقٍ أوسطٍ جديد، يقوم على الانفتاح لا العزلة، وعلى المصلحة لا الشعارات.
لقد أدركت الأنظمة، ومعها القوى الكبرى، أن البقاء مرهون بمدى التكيّف مع التحولات الثقافية والاجتماعية العميقة في مجتمعاتها.
ولذلك، فإن المعركة القادمة لن تكون بالسلاح، بل بإعادة تعريف الهوية والسلطة والدين في وعي الإنسان.
وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت هزيمة داعش عسكريًا، فإن السنوات القادمة ستشهد هزيمة الأفكار التي أنجبتها.
وحينها فقط، يمكن القول إننا دخلنا فعلاً مرحلة الشرق الأوسط الجديد، حيث تتقاطع المصالح لا المذاهب، ويتقدّم الوعي على السلاح



إرسال التعليق