لم ولن تهزم إسرائيل بسبب نفاقكم.
*
م. فوزي
*
يتساءل بعض العقلاء عن سر هذا الإمعان في قتل وتشريد عشرات الآلآف في غزّة، دون مراعاة لمشاعر الملايير من البشر؛ مسلمين وغير مسلمين.
أين الأنظمة التي تحكم هذا العالم بالحديد والنار؟
وأين كل تلك الجيوش التي مافتئت تدهشنا بقفزات وصعقات رجالها الكومندوز؟
الكل يتساءل.. وهو لا يدري ما الذي أصاب هذه الشّعوب، في البلدان الديمقراطية وغير الديمقراطية على حدّ سواء. خرجوا بالآلاف، يصرخون ويندّدون؛ ويبدو أن العالم أصم ولا من يسمعهم، وبالتالي فإن الشّعوب لم تعد قادرة على تغيير هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه غزّة.
إذا كانت بعض الأنظمة الشمولية لا تسمح لشعوبها بأكثر من أن تتظاهر في الشوارع والأرصفة والطرقات، وإن بعضا آخر من هذه الأنظمة المستبدّة لا تسمح حتى بمجرّد التنديد والوقوف، على الرّغم من أنّها تندّد هي الأخرى بما يقع من جريمة إبادة وتعبّر عن موقفها الصّريح عبر قنواتها الرسمية.. فما بال الأنظمة التي تدّعي تبنّيها للدّيمقراطية قد صمّت أذنيها ولا تريد أن تسمع هي الأخرى لشعوبها، وتتدخّل لتضع حدّا لهذه الحرب القذرة التي لا يفرّق مجرميها بين الأخضر واليابس، وبين محارب يقاوم، وآخر طفل بريء وشيخ أعزل؟
العالم كلّه يصرخ ويندب؛ بما في ذلك اليهود أنفسهم الذين خرجوا في أماكن داخل وخارج مثل إسرائيل؛ يصرخون ويندبون ويندّدون.. بينما والمجرم المطلوب في العدالة الدوّلية لا يأبه ولا يلتفت إليهم، ولا يستطيع أحد إيقافه؟
كيف لشرذمة تتكوّن من زعيمي حزبين يمينين متطرّفين تتحدّى كل العالم وشعوبه بأنظمته ومنظّماته؟
ألم يحن الوقت للشّعوب التي لم تجد من يسمعها، أن تبحث عن الأسباب التي جعلت حكومة تتكوّن من بعض المتطرّفين اليمينيين في دولة مثل ”العاهرة“ أو اللّقيطة إسرائيل، تطغى بهذا الشكل، وتمارس أنواع القتل والإبادة الجماعية، دونما اعتبار ولا اكتراث بالعالم وأنظمته ومنظّماته الإنسانية؟
يتساءل العقلاء في هذا العالم عن السبب. إذا عرفنا السبب بطل العجب. المثل.
القنوات التي تنقل الأخبار للمشاهدين، تنقلها حسب رؤيتها ووفق إرادتها هي، لا كما يريد المشاهد. فالمشاهد يبحث عن الحقيقة عارية، وليس كما يريدها الإعلاميّون؛ أصحاب البلاتوهات التي تُجرى فيها العمليات القيصرية. وليس كل الناس يبحثون عن معرفة الحقيقة، بل إن الكثير منهم يكتفون بما يُنشر هنا أو هناك من أخبار عبر قنوات معروفة بتحيّزها إلى جهة أو جبهة معيّنة، وذلك على حساب المهنيّة. ما يجعلهم بعيدين كل البعد عن معرفة الحقيقة.
هلاّ بحثتم أنتم عن الحقيقة، لعلّكم ستجدونها في نشرات الثامنة وفي الخطب النمطية عند أصحاب المنابر العاجية. أو لعلّكم ستجدونها عند المطبّلين المتملّقين الذين يأكلون من جميع الموائد ويقفون مع الجلاّد. الذين لا يهمّهم مصير العباد والبلاد ومع ذلك فهم يدّعون حب الوطن، يسرقون مع الذّئب ويتباكون مع الرّاعي.
هذه هي الحقيقة بكل بساطة. فلو كانت هذه الشعوب كلها على قلب رجل واحد لما تأخّر النّصر دقيقة واحدة. تراه يتكلّم معك بنفس اللّغة وقد يشاركك بعض آلامك ووو.. لكن وقلبه على غيرك، ”أنت في وادٍ وهو في وادٍ آخر“ كما يقولون.
أريد أن أقول من المستحيلات السبع وأضيف إليها الثمن والتسع وربما حتى العشر، أن يكون كل هؤلاء الذين يتباكون على غزّة هم بالفعل يحملون همّ هؤلاء الأطفال الذين يموتون جوعا بينما نتدافع نحن في الأسواق ويدوس أحدنا على كرامته من أجل اقتناء أشهى الفواكه وأحلى الأكلات إرضاء لأبنائِنا وزوجاتنا.
هل يستطيع هذا الذي صدع رؤوسنا بصوته في المسجد خلال الدروس التّافهة التي ينوّم بها ”الغاشي“، أن يترجّل قليلا وينسى السيارة المكيّفة التي حين يكون فيها لايلقي السلام على هؤلاء القوم التبّع. هل يستطيع هؤلاء الذين صدّعوا رؤوسكم بكلام يدمي القلب أن ينعتوا الرّئيس ونظامه بأنّه ما كان ينبغي له هو ولا لأتباعه أن يمنعوا مسيرة تنديد بنتياهو حكومته. بالطبع لا فهو لا يجرؤ ليس من باب الجبن فحسب، بل خوفا من يتم منعه من شبه الدروس التي يلقيها في المسجد لينوّم بها القوم.
كيف يستجيب الله لدعائنا وكيف تتجاوب الأنظمة الديمقراطية وغير الدّيمقراطية لشعوبلها وهي تعرف أنّ مجرّد ”صيحة في وادٍ“ أو”صرخة في الظّلام والنّاس نيّام“، لا يلبث أصحابها أن يعودوا بعدها إلى دورهم ونسائهم، غير مكترثين ولا مهتمّين بما سيقع بعدها لغزّة وأطفالها. ولو كانت الأنظمة التي تحكم الشعوب المنافقة تعرف حقّا أن شعوبها جادّة فيما تقوله وما تفعله، لكانت قد استجابت لها طوعا أو كرها.
إذا كنت تعلم هذا أيّها المنافق الذي صدّعت رؤوسنا بالعويل والنبّباح على غزّة وأهلها، قبل أن يغيّر النّظام بوصلته، فلا داعي لأن تخوض في موضوع غزّة ودع أهلها وأطفالها المظلومين الأبرياء يموتون بسلام. واستمتع بحياتك الوردية؛ السيارة الفارهة.. والفلاّ الجميلة.. والدفء الذي لن تجده سوى بين أفراد أسرتك… فلغزّة رب حتما سيحميها. وأستسمح القارئ على هذا الارتجال، لأنّ المرء يفقد الصبر مع هذا النفاق الذي نراه.



إرسال التعليق