ضائعٌ بين أقرانه الجــــزء الثّالث (9)

*

*
رشيد مصباح(فوزي)
الجـــزائر
*

على الرّغم من بساطة المعيشة، والنّقص الفادح الكبير في الوسائل والإمكانيات آنذاك، إلّـا أنّا كنّا سعداء، متحابّين ومتآخين. ولعلّه السِرّ في ولادة تلك المشاعر. فالحياة البسيطة علّمتنا الكثير من الأشياء الجميلة مثل التآخي و التواضع لبعضنا.. وولّدت فينا الشعور بالأمن والأمان. وأمّا الحياة الماديّة المعاصرة، فتعلّمنا منها الكذب والنّفاق.
الناس في هذه الأيّام فقدوا الرضا والقناعة، ولم يعد يقنعهم شيء على الإطلاق. ”جحيم“ التنافس المذموم على الدنيا ووسائلها الماديّة كان ولا يزال السبب في تفشّي أنواع الأمراض العضوية والنفسية والرّوحيّة. لو كان الماضي بضاعة في الأسواق لكان ثمنه باهظا. من يحصل على فرصة كهذه يتدارك فيها العديد من الأمور ويصحّح الأخطاء التي ارتكبها؟ ويحمد الله على الصحّة والفراغ وغيره من النّعم العديدة التي وهبها الله أيّاها؛ مثل نعمة الاسلام ونعمة الوالدين: وهل يوجد أعظم من هذين النعمتين في هذه الحياة التّعسية؟
الوقت ينفد ويمر مرور الكرام، يسوق أمامه النّعم، كما تسوق ريّاح الخريف أمامها أوراق الشّجر: ”لا تُدرك النّعم إلّـا حين تزول“؛ لم أكن أعرف قيمة والديّ الحقيقية ـ رحمهما الله ـ إلّـا بعد رحيلهما ـ
كان والدي العزيز ـ طيّب الله ثراه ـ حريصا على مستقبلي، أشد الحرص. حين كانت الأهواء، والأهوال، والأوهام.. تتقاذفني يمينا وشمالا ”كالنّاقة العشواء“. وكان إصراره كبيرا على أن ألتحق بالمركز لمواصلة التكوين. وبينما كان يرنو بنظره بعيدا، كان نظري لا يكاد يتعدّى موضع قدميّ.
كانت تصرّفاتي كلها عبارة عن ردود أفعال ارتجالية، كنتُ كغيري من شباب ذلك الوقت، جيل الثمانينيّات، احلم بالهجرة إلى ”جنّة“ الخارج؛ أوروبا أو أمريكا: كندا والولايات المتّحدة، أو إلى أيّ من البلدان الرّاقية التي تمارس فيها الحريّة بصورة شبه مطلقة. نعم، كنتُ أبحث عن الحريّة لصورية كالتي في الأفلام.
ظلّ هذا الحلم ولفترة طويلة يراودني، إلّـا أن الحلم كان يفتقد إلى التخطيط، ثم من بعد ذلك التنفيذ. ولم أكن جادّا في حياتي؛ فأنا كما قال لي أحد الأصدقاء ذات مرّة كنتُ أمزح فيها معه، ثم فجأة قلتُ له: ”أنا فيما أقوله“. وردّ عليّ قائلا: ”ومنذ متى؟“.
المهم أنّي رضخت لأوامر والدي والتحقتُ بالمركز الإداري، كما أمرني بذلك. والدي الذي لا تُعصى أوامره، كان صارما جدّا هذه المرّة. والتحقتُ بالمركز بملامح جديدة؛ وتفاجأ زملائي حينما رأوني؛ وكأنّهم يروني لأوّل مرّة. وقد تحسّنتُ كثيرا عمّا قبل، وكنتُ قد أشرفتُ على الهلاك، وانقطعت اخباري شهرين تقريبا، وشاع خبر مرضي الخطير الذي كاد يؤدّي بي إلى الهلاك.
تحوّلتُ بعدها من تلميذ خجولٍ منطوٍ، إلى شخص مزعج وطائش، يصرف أوقاته كلّها في البحث عن مصادر النّشوة واللّهو خارج المركز. وأمّا في القسم، فمصدر للإزعاج و التشويش وإثارة البلبلة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك