النّزوح وآثاره الوخيمة.
—
رشيد مصباح (فوزي)
أهم سبب في تدني المستوى الاجتماعي – العمراني وظهور الآفات، والذي تشهده مدننا الصغيرة التي هي في الحقيقة لا تعتبر كذلك؛ بالمعنى الذي تحمله المدن الكبيرة والرّاقية، لأنّها تفتقد إلى أهم الأشياء التي تميّز المدن عن المداشر والدواوير الكبيرة، هو هذا الذي نسمّيه: ”النزوح“.
إلى جانب أنّه تسبّب في بروز آفات يصعب التحكّم فيها، كذلك، أساء من حيث نعلم أو لا نعلم إلى منظر ومظهر ”أشباه“ مدننا الفتية؛ هذه التي كانت في يوم ما عبارة عن قرى صغيرة لكنها جميلة بتاريخها الكبير و تراثها العزيز، والتي كانت تسلب الألباب فيما مضى بنسيمها العليل ومكانها الخلاّب، وتجلب إليها السوّاح من كل جانب… فتحوّلت فجأة إلى أماكن للفوضى ونشر الآفات.
لقد كان (مداوروش) على سبيل المثال، وغيرها من القرى الجزائرية المعروفة بطابعها العتيق، بالفعل قبلة للسوّاح الأجانب، وذلك قبل أن يتم الاعتداء على أجود الأراضي فيها من طرف سماسرة الغزاة الذين اقتحموها من كل الجوانب، مستغلّين ثرائهم الفاحش الذي كان أنجع وسيلة للاعتداء على نسيجه العمراني.
لقد تسبّب هذا النزّوح في تخريب النسيج العمراني وحسب، وتحوّلت قرانا الجميلة إلى شبه ”چيتوهات“ ومخيّمات ترسّخ للفوضى والآفات. وصار من الصعب والعسير على المسئول المحلّي التحكّم في زمام الأمور في غياب الإمكانيات؛
-انفلتت الأمور بشكل مفاجئ، ولم يعد يعرف هذا المسئول البسيط ماذا يفعل مع هذه الفوضى الاجتماعية والعمرانية ”المقنّنة“، نظرا لانعدام الموارد التي تدعم ميزانية التسيير. وصار من الصعب والعسير على المسئول المحلّي، في ”أشباه“ المدن وهذه المداشر والدواوير الكبيرة، القيام بواجباته تجاه المواطن الذي ليس لديه فكرة عن أمور التسيير.
ولأن الحياة بالنسبة إلى هذا المواطن البسيط، عبارة عن فرص للانقضاض على أجمل و أجود وأخصب الأراضي بالأسمنت المسلّح، وشراء المحلات في الأماكن الهامّة واستغلالها بأبشع الوسائل و الطرق.
ولأن الأمور تسير بعشوائية في هذا البلد الجميل، فإنّه لم يكن هناك أبدا تفكير في كيفية هذا التوسّع العمراني الذي نشهده الآن، وتم فسح المجال أمام أشرّ الانتهازيين الذين وجدوا؛ في هذه العشوائية التي ترقى إلى التواطؤ منه إلى التسيّب، فرصة للاعتداء على النسيج العتيق، فبات مهلهلا كالثّوب القديم.
ولنقم بمقارنة بسيطة بين الماضي الجميل والحاضر المؤلم؛ بين ما ورثه الشعب من الاستعمار وما تم تشييده فيما بعد، لندرك فضاعة الجريمة. وما أصاب قرانا الجميلة بعد هذا الغزو، لم يترك الفرصة للسوّاح الأجانب كما كان ذلك من قبل؛ قبل تغلغل الفوضى وانتشار الظواهر والآفات الاجتماعية كالتي أصبحنا نراها الآن.
لقد انفلتت الأمور في هذا البلد الكبير ولم يعد ينفع معه ميزانيات ”قارون“ و”هارون“، ولا أموال ”روكفيلر“ و”روتشيلد“ولا ”بيل غيتس“… ومثل هذا الكلام ينسحب على المدن الكبرى التي هي الأخرى لم تسلم من النّزوح الذي يكاد يخنقها، وحتى إنها لأصبحت غير قابلة للحياة.



إرسال التعليق