أمريكا دولة الحزب الواحد بلا شك

توماس بولوس

في المشهد السياسي الأمريكي، يبدو الصراع الظاهري بين الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي، كأنه حرب وجودية لا هوادة فيها؛ خطابات نارية، انقسامات حادة حول قضايا الهجرة، الضرائب، الإجهاض، والهوية الثقافية. غير أن هذا الصخب الصاخب يخفي خلفه حقيقة أعمق وأكثر ثباتاً: هناك “مسار طبيعي” ومقدس تتفق عليه النخب في الحزبين، وتعتبره البوصلة التي لا يمكن لأمريكا الحياد عنها مهما تبدلت الإدارات.

فما هو هذا المسار الطبيعي الذي يغني له الجمهوريون والديمقراطيون على السواء، وكيف يتحول إلى عقيدة أمريكية عابرة للخطوط الحزبية؟

الهيمنة العالمية والإمبراطورية التي لا تُنازع

الركيزة الأولى في المسار “الطبيعي” للولايات المتحدة هي عقيدة التفوق العسكري والجيوسياسي المطلق.

  • بغض النظر عما إذا كان الرئيس في البيت الأبيض ديمقراطياً يؤمن بالتحالفات الدولية والدبلوماسية متعددة الأطراف، أو جمهورياً يرفع شعار “أمريكا أولاً” ويميل للسياسات الأحادية، فإن بنية الإمبراطورية الأمريكية تظل ثابتة.
  • التغني بـ “القيادة العالمية الحرة”، وحماية الممرات الملاحية الدولية، والانتشار العسكري الهائل عبر القارات، ليست مجرد خيارات سياسية لحزب دون آخر، بل هي “المسار الطبيعي” لبقاء أمريكا القوة الأعظم. الحزب الديمقراطي يبرر ذلك بحماية الديمقراطية العالمية، بينما يبرره الجمهوريون بحماية الأمن القومي وفرض الهيبة، لكن النتيجة النهائية والهدف الاستراتيجي يظل واحدًا.

الرأسمالية المطلقة وحماية “ول ستريت”

سواء تعلق الأمر بخفض الضرائب على الشركات والأثرياء (الجنة المفضل للجمهوريين) أو بتقديم برامج شبكات الأمان الاجتماعي المنضبطة برعاية السوق الحرة (مناهج الديمقراطيين)، فإن النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

  • يتفق الحزبان ضمناً على أن “المسار الطبيعي” للرفاه الأمريكي مرسوم في وول ستريت، وعبر استمرار هيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية.
  • حين تتعرض المنظومة المالية للخطر (مثل أزمة 2008 أو جائحة كورونا)، تتلاشى كل الخلافات الإيديولوجية بسرعة، وتجتمع القيادات في الكونغرس لدعم كبرى الشركات والمصارف بمليارات الدولارات. فالإيمان المطلق باقتصاد السوق هو العقيدة الاقتصادية المشتركة التي لا يجرؤ أي طرف على المساس بجوهرها.

الاستثناء الأمريكي (American Exceptionalism)

الخيط الرفيع الذي يربط وجدان المواطن الأمريكي بالحزبين هو الإيمان العميق بفكرة “الاستثناء الأمريكي”؛ النظرة التي تقضي بأن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة عادية، بل هي أمة “مختارة” لتحمل مشعل الحرية والديمقراطية والتقدم للبشرية جمعاء.

  • هذا التغني المستمر بالقيم المؤسسية، والدستور، والنموذج الأمريكي كأفضل ما أنتجته البشرية، يتكرر بحذافيره في خطابات زعماء الحزبين.
  • حتى عندما يختلفون حول كيفية تطبيق هذه القيم داخلياً، فإنهم متفقون تماماً على تصديرها والدفاع عنها باعتبارها الهوية الوجودية التي تضمن استمرار التفوق الأمريكي.

رابعاً: الاستمرارية المؤسسية للدولة العميقة والأمن القومي

رغم الخطاب الشعبوي الذي يهاجم أحياناً “البيروقراطية الفيدرالية” أو “الدولة العميقة”، فإن السياسات الكبرى للبلاد (الاستخبارات، السياسة الخارجية تجاه الخصوم كالصين وروسيا، وأمن الطاقة) تديرها ماكينة مؤسسية صلبة لا تتغير بتغير الرئيس.

  • المسار الطبيعي هنا يقتضي الاستمرارية؛ فالإدارات تتعاقب، لكن الاتفاقيات الاستراتيجية، والتحالفات الكبرى (مثل الناتو)، والالتزامات الخارجية تظل مستقرة في جوهرها.

إن التغني بهذا “المسار الطبيعي” من قِبل الحزبين يعكس بوضوح أن الصراع السياسي في واشنطن هو في كثير من الأحيان صراع على إدارة النظام وليس على تغييره.

بينما يصرخ الجمهوريون والديمقراطيون في وجه بعضهم البعض على شاشات التلفزيون لإرضاء قواعدهم الانتخابية، تظل الثوابت الكبرى للإمبراطورية الأمريكية — القوة العسكرية، الرأسمالية المطلقة، الأيديولوجيا المهيمنة — تسير على صراط مستقيم واحد، مرسوم بعناية، ولا تحيد عنه بوصلة البيت الأبيض مهما تبدلت وجوه الواقفين خلف مكتبه البيضاوي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك