هندسة العنف الدائم…لماذا لم تُهزم الفاشية في إسرائيل، بل أصبحت هي «الدولة»؟
في التحليلات السياسية التقليدية، كان يُنظر إلى اليمين المتطرف والديني الاستيطاني في إسرائيل (مثل تيار بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير) باعتباره “ظاهرة عارضة” أو “انحرافاً مؤقتاً” عن النموذج التأسيسي للدولة الصهيونية. لكن القراءة الاستراتيجية والمستقبلية للداخل الإسرائيلي تكشف عن حقيقة أكثر رعباً وتجذراً: الفاشية في إسرائيل لم تُهزم، ولن تُهزم عبر الأدوات الديمقراطية التقليدية، لأنها لم تعد هامشاً في السياسة، بل تحولت إلى العصب العقائدي والمؤسسي الذي يدير الدولة.
هذا المقال الاستشرافي يفكك الدوافع الهيكلية، والديموغرافية، والمؤسسية التي تجعل الفاشية الإسرائيلية خياراً ممتداً للمستقبل، وليس مجرد مرحلة سياسية تزول بذهاب شخص أو ائتلاف حكومي معين.
أولاً: من “الصهيونية العمالية” إلى “الفاشية الدينية”.. تحول العقد التأسيسي
تاريخياً، حاولت إسرائيل تسويق نفسها للغرب كـ “واحة للديمقراطية” عبر غطاء الصهيونية العمالية والعلمانية، لكن هذا الغطاء كان يحتوي من البداية على تناقض بنيوي: كيف تكون ديمقراطياً وتنفذ في الوقت نفسه تطهيراً عرقياً واستطاناً إحلالياً؟
مع مرور العقود، وصل النمط الصهيوني التقليدي إلى نهايته المنطقية:
- انهيار الليبرالية الصهيونية: أثبتت الحروب المتتالية وعمليات ضم الأراضي أن الفارق بين “اليسار/الوسط” و”اليمين” في إسرائيل ليس فارقاً في الجوهر، بل في الوسيلة والخطاب. فاليمين المتطرف لم يفعل سوى إسقاط الأقنعة وتسمية الأشياء بمسمياتها الصريحة (التهجير، الفصل العنصري المطلق، والإبادة الحسمية).
- شرعنة الفاشية: الفاشية في المفهوم السياسي تعتمد على اختلاق “عدو وجودي” مسبق، وتأليه “القومية/الدين”، وقمع أي صوت داخلي يطالب بالعدالة. هذا المزيج أصبح هو المحرك الرئيسي للشارع الإسرائيلي، حيث جرى تقديس العنف ضد الآخر وجعله شرطاً للبقاء القومي.
ثانياً: ديموغرافية المستقبل.. أجيال نشأت في أحضان الاستيطان
أي دراسة مستقبلية لإسرائيل يجب أن تدرس التغير الديموغرافي وعقيدة الأجيال الشابة:
- سيطرة تيار “الخريديم” والكهانيين الجدد: تشير المؤشرات الديموغرافية الإسرائيلية لعام 2026 وما بعدها إلى أن الفئات الأكثر نمواً وعدداً هي فئات الحريديم والمتدينين الوطنيين وسكان المستوطنات. هؤلاء لا يؤمنون بقيم “الديمقراطية الغربية” أو “القانون الدولي”، بل ينطلقون من نصوص ثيوقراطية ترى الأراضي المحتلة ملكاً حصرياً، وأن غير اليهودي مجرد طارئ يجب إخضاعه أو طرده.
- جيل “فتية التلال”: لم يعد شبان المستوطنات المتطرفون يمثلون عصابات هامشية، بل تسللوا ووصلوا إلى قيادة مفاصل الجيش، الشرطة، والوزارات السيادية. هذا الجيل نشأ على أيديولوجيا “محو القرية والمدينة الفسطينية”، وهو الجيل الذي يقود الجيش والشارع اليوم وسيصنع القرار غداً.
ثالثاً: المؤسسة الأمنية والعسكرية.. تآكل “العقلانية” لصالح العقيدة
كان يُراهَن سابقاً على أن المؤسسة العسكرية والأمنية (الشاباك، أمان، الجيش) ستقف كـ “كبح عقلاني” أمام شطحات اليمين العقائدي. غير أن الدراسة المستقبلية تؤكد أن هذه الأجهزة نفسها تعرضت لـ “اختراق وتغيير عقائدي” ممنهج:
- أيديولوجيا “الداخل”: تم استبدال القيادات العسكرية ذات التوجهات البراغماتية بضباط وقيادات تخرجوا من المدارس الدينية الاستيطانية (مثل مدرسة “إيلي” العسكرية). هؤلاء يدارون المعارك ليس بمنطق “إدارة الصراع”، بل بمنطق “الحسم اللاهوتي والإبادة الكلية”.
- استحواذ الفاشية على أدوات قمع الدولة: باتت أدوات الدولة من شرطة وسجون وأجهزة استخبارات خاضعة مباشرة لتوجيهات وزراء ينتمون للتيار الفاشي الصريح. هذا يعطيهم القدرة على قمع أي احتجاج مدني داخلي (حتى لو كان من الإسرائيليين العلمانين)، وتوجيه سلاح الدولة حصراً لنحر الوجود الفلسطيني.
رابعاً: الفاشية كأداة بقاء اقتصادي وجيوسياسي
لماذا تثبت الفاشية أقدامها ولا تنهار تحت الضغط الدولي؟
- التوافق مع اليمين العالمي: أدركت إسرائيل أن العالم يتجه بشكل متزايد نحو الشعبوية واليمين المتطرف (في أوروبا وأمريكا الشمالية). بناء عليه، نجحت الفاشية الإسرائيلية في تحويل نفسها إلى “مختبر أمني وتكنولوجي” لشبكات اليمين القومي العالمي، حيث تُصدّر تكنولوجيا المراقبة، وأسلحة القمع، وخطاب المظلومية القومية.
- اقتصاد الحرب الدائم: تعتمد البنية الاقتصادية الفاشية في إسرائيل على استدامة حالة الخطر؛ فكلما تضاعف الشعور بالتهديد، زاد الإنفاق العسكري، وتضاعفت مبيعات السلاح، وتم تبرير حالات الطوارئ وتقييد الحريات السياسية.
الخلاصة والمستقبل: إلى أين تتجه إسرائيل؟
إن القول بأن “الفاشية في إسرائيل لم تُهزم” ليس مجرد توصيف سياسي لحالة راهنة، بل هو تنبؤ بمصير الكيان برمته؛ فالأيديولوجيات الفاشية عبر التاريخ تتسم بخاصية واحدة قاتلة: إنها لا تملك مكابح.
- الآفاق القريبة: ستستمر إسرائيل في التغذي على التطهير العرق والضم الفعلي للأراضي، وتحويل الحُكم المباشر إلى نظام “أبارتهايد” ثيوقراطي كامل الصراحة، مع تحييد المؤسسات القضائية وتكريس القمع الداخلي ضد المعارضة العلمانية والأقليات.
- النهاية الاستراتيجية: الفاشية التي تُبتكر لمحو الآخر (الفلسطيني)، تنتهي دائماً بإنتاج صراع داخلي يأكل ذاته. تزايد هجرة العقول والعلمانيين للخارج (البحث عن جنسيات غربية)، والانقسام المجتمعي بين دولة “يهودا الثيوقراطية” ودولة “تل أبيب”، سيقود إسرائيل في النهاية ليس إلى النصر، بل إلى التآكل الذاتي والانهيار الهيكلي من الداخل، كأنها ظاهرة تاريخية استهلكت أسباب بقائها ووقعت في فخ الغرور المطلق.



إرسال التعليق