سكران 24 ساعة يومياً … كيف تهرب من الواقع برعاية الكيف الصافي!

هناء حلمي

تعالوا اليوم نجلس معاً في الزاوية الأكثر عتمة وصدقاً في هذا الكوكب، ونطرح السؤال الذي يجول في خاطر الملايين ممن أنهكتهم حرب الجميع ضد الجميع، ومساومات الشرف اليومية، وقرف “اللي نبات فيه نصحا فيه”: لماذا لا نصبح سكارى 24 ساعة يومياً؟

لا تنظروا إليّ هكذا بأعين حائرة أو مستنكرة! لست أدعو هنا إلى الكحول أو المغيبات الكيميائية التي تفسد الكبد وتفرغ الجيوب، بل أقصد “السكَر الفلسفي الوجودي”؛ ذلك التخدير العالي المستوى الذي يجعلك تنظر إلى العالم من خلف غشاوة سميكة من اللامبالاة المطلقة.

كتالوج أنواع “السكَر العصري” للنجاة من الجنان

حين يصبح البقاء على قسط من الوعي الكامل تهمة تستوجب السجن المؤبد في مستشفى الأمراض العقلية، يصبح “السكَر” بشتى أنواعه واجباً وطنياً وضرورة حتمية للبقاء. وإليكم أبرز أنواع الإسكار المتاحة في السوق المحلي:

  1. سَكَر الانعزال التام (التغييب الإرادي): أن تغلق هاتفك، وتسدل الستائر، وتضع قطناً في أذنيك، وتعيش في فقاعة وهمية تفصلك تماماً عن أصوات الجيران، وارتفاع أسعار السلع، وقرارات المسؤولين التي تأتي كالصواعق. هنا أنت لا تشرب شيئاً، لكنك تشعر بثمالة الهدوء المطلق!
  2. سَكَر الاستغراق في التفاهة الممنهجة: أن تقرر فجأة ألا تفكر في أي قضية كبرى؛ لا اقتصاد منهار، ولا ديون متراكمة، ولا سياسة فاسدة. كل ما يشغلك طوال اليوم هو متابعة فيديوهات سخيفة لقطط تنزلق على السيراميك، أو طهاة يحضرون وجبات غريبة على التيك توك. هذا “السكَر” يغسل المخ تماماً من تراب الواقع.
  3. سَكَر السخرية السوداء (الثمالة العقلية): أن تصل إلى مرحلة من فرط الصدمات، بحيث كلما سمعت خبراً كارثياً، أو قراراً يذبح جيبك، لا تجد نفسك للأسف تبكي أو تغضب، بل تطلق قهقهة هستيرية عالية تجعل كل من حولك يظنون أنك فقدت عقلك نهائياً (وهذا هو عين العقل في هذا الزمن!).

لماذا يبحث الجميع عن زجاجة الغياب؟

لأن اليقظة في بلادنا أصبحت جريمة لا تُعاقب عليها القانون بل يُعاقب عليها الجسد والروح! اليقظة تجعلك تحصى عدد الكوارث، وتتذكر كم مرة باعتك الظروف، وكم مرة خسرت من كرامتك وأنت تحاول تدبير أمور عيشك.

الناس لا تسكر حباً في السكر، بل هروباً من بشاعة الحقيقة. الإنسان المعاصر يشبه تماماً ذلك المريض الذي يطلب جرعة بنج إضافية، ليس لأنه يحب غرفة العمليات، بل لأنه أجبن من أن يتحمل ألم المشرط وهو بكامل وعيه!

خاتمة تحت شعار: “اشرب من كاس التطنيش!”

لذا يا سادة، إن أردتم نصيحة هناء حلمي الصادقة: لا ترهقوا أعصابكم بمحاولة فهم هذا العالم المجنون، ولا تحاولوا أن تكونو أبطالاً خارقين في زمن انهيار السدّين.

ابحثوا عن أي طريقة تجعلكم “سكارى بالوعي المعطل” طوال اليوم؛ طنشوا، اسخروا، اهربوا إلى النوم، أو إلى أغنية قديمة لمارسيل خليفة، أو إلى عزلة تامة لا يزعجكم فيها سوى صوت أنفاسكم.

تصبحون على ثمالة دافئة، ووعي غائب تماماً عن هذا القرف!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك