مساحة الروح.. لا تبحث عن وطن في قلوبٍ ضيقة
أسماء شاهر
يمضي الإنسان جزءاً عظيماً من عمره وهو يحاول جاهداً أن يحفر له مكاناً، أو يثبت له قدماً، في قلوب الآخرين. يستهلك طاقته، ويحني قامته، ويجمل روحه علّه يظفر بقبول أو بمساحة دافئة تحتفظ بصدقه وحقيقته. غير أن الحقيقة الموجعة التي يتأخر إدراكها كثيراً هي أن بعض القلوب ليست سوى ممرات ضيقة، أو غرف مظلمة عجز أصحابها عن اتساع أنفسهم، فكيف لهم أن يتسعوا لغيرهم؟
إن القاعدة الأعمق التي تحررك من عبء الاستجداء العاطفي تكمن في تلك العبارة الواعية: لا تبحث عن مكانٍ في قلوب الآخرين؛ بعض القلوب أضيق من أن تتسع حتى للحقيقة.
فما الذي يعنيه حقاً أن تتوقف عن التفتيش عن مقعد لك في قلوب لا تهتم؟ وللماذا يعد السعي لرضا الجميع سجناً للروح؟
أولاً: خديعة السعي خلف القبول.. حين ترهق روحك لتلائم مقاساً خاطئاً
الرغبة في الاحتواء شعور بشري فطري، لكنه يتحول إلى كارثة نفسية حين يتحول إلى “تسول” للمحبة والتقدير. حين تحاول أن تصغر نفسك، أو تكتم صوت حقيقتك، أو تتخلى عن مبادئك لكي تُلائم “المقاسات” التي يرضاها الآخرون عنك، فإنك لا تكسب قلوبهم، بل تخسر نفسك تدريجياً. القلوب الضيقة تشترط لتمنحك مساحة فيها أن تتخلى عن ملامحك الأصلية، أن ترتدي أقنعة تشبههم، وأن تهادن زيفهم. وحين تدخلها وأنت محمل بصدق الحقيقة والنقاء، تختنق تلك الحقيقة سريعاً بين جدران جحودهم وأنانيتهم، لأنهم ببساطة يخشون نور الحقيقة الذي يفضح عتمتهم.
ثانياً: ضيق المكان.. لماذا تصر على السكن في قاحل المشاعر؟
من العبث أن تحاول غرس بذور الياسمين في صخر أصم، ومن العبث بذات الدرجة أن ترجوا الدفء من قلوب باردة أو أضيق من أن تحتمل سعة روحك. بعض البشر، مهما أوتيت من صدق المحبة، لن يمنحوك إلا بقدر ما تمليه مصالحهم أو ضيق أفقهم. حين تكتشف أن المكان الذي تحاول جاهداً حجزه لنفسك لا يتسع لصدقك، فعليك أن تنسحب بكرامة وسلام. إن محاولتك المستميتة للبقاء في قلب لا يقدرك هي إهانة صريحة لروحك، وتضييع لأيام عمرك في معارك خاسرة سلفاً.
ثالثاً: التحرر الحقيقي.. حين تصبح بيتك الأكبر
الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن قيمته لا تُقاس بمدى اتساع القلوب المحيطة به، بل بمدى اتساع قلبه هو لذاته. حين تتوقف عن البحث عن ملجأ في الخارج، تبني وطنك من الداخل. تغدو قادراً على الاستغناء، وعلى وضع الحدود الفاصلة بين من يستحق نقاءك ومن لا يرى فيه إلا عبئاً. النفس التي تكتفي بنورها الخاص، وتدرك قيمتها المطلقة، لا تهتز لضيق الآخرين ولا يعنيهها إغلاق أبوابهم البائسة.
ختاماً
كف عن طرق الأبواب الموصدة، وتوقف عن محاولة تصغير روحك لكي تليق بقلوب ضيقة ومزدحمة بالأحكام. لا تبحث عن مكان في قلوب الآخرين، بل اسعَ دائماً لأن يكون قلبك واسعاً، رحباً، ومكتفياً بالحقيقة والنور. فمن لا تستعره سعادة روحك، لا يستحق أبداً أن يكون مستقراً لخطاك.


إرسال التعليق