توقف عن تصديق كل ما يرويه لك عقلك في ساعات العتمة

آسيا أيت عامر

في عمق التجربة البشريّة، يتوارى فارق دقيق ومرعب بين حقيقتين تلتبسان على الكثرة منا: الأولى هي الألم المادي الناجم عن اللحظة، والثانية هي المعاناة النفسية المستمرة.

فالأول، ألم الجسد أو صدمة الفقد، ليس سوى استجابة حيوية خاطفة؛ وميض عابر ينطلق في الأعصاب ثم يخفت، وهو جزء أصيل لا يتجزأ من بيولوجيا الحياة وتجربتها. أما الثاني، فهو القفص الذهني المحكم الذي نصنعه بأيدينا، ونختار أن نعيش داخله لأشهر أو سنوات طويلة، متقنصين دور الضحية في دراما لا تنتهي.

الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أننا لا نعيش أحداث حياتنا، بل نعيش القصص التي نرويها لأنفسنا عن تلك الأحداث.

الفصل الأول: الفرق الهائل بين الألم والمعاناة

لنتفق علمياً ونفسياً على قاعدة أساسية: الألم حتمي، أما المعاناة فخيار. حين تتعرض لخسارة مالية، أو طعنة غدر من صديق، أو وعكة صحية، فإن الجسد والروح يشعران بالصدمة. هذا هو “الألم البحت”؛ شعور حقيقي ومؤقت يمر عبر الكيان البشري كعاصفة ربيعية.

لكن ماذا يفعل العقل البشري بعد انتهاء العاصفة؟ هنا تبدأ الحكاية المزيفة. يستلم العقل دفة القيادة، فيلتقط ذلك الألم الخام، ويعيد طهيه وتبهيجه بسيناريوهات سوداوية لا تنتهي:

  • “لماذا حدث لي هذا بالذات؟”
  • “أنا سيئ الحظ ولن أنجو أبداً.”
  • “الناس جميعاً خائنون ولا يمكن الوثوق بأحد.”

هنا يتحول الألم البسيط إلى “معاناة مزمنة”. إن الألم حدث في الماضي، وانتهت لحظته الزمنية، لكنك في كل مرة تستعيد فيها تفاصيله، وفي كل مرة تحكي فيها القصة لنفسك وللآخرين بغضب ومرارة، فإنك تعيد إشعال النار في رماد خامد. أنت لا تتذكر الألم، بل تعيد اختراعه وتأليفه كل صباح.

الفصل الثاني: هندسة الوهم.. كيف يورطنا العقل في حكاياته؟

الدماغ البشري مصمم أصلاً للنجاة، ولهذا فهو يميل بالفطرة إلى تضخيم التهديدات والمخاطر. وحين يغيب التهديد الحقيقي، يبدأ العقل في اختلاق الأعداء والدراما داخل صالة السينما الداخلية.

تخيل أنك جرحت إصبعك بآلة حادة؛ سيؤلمك الجرح لدقائق، هذا مؤكد. لكن ماذا لو قضيت الأسبوع كله وأنت تنظر إلى الإصبع، وتتخيل أن الغرغرينا ستسري في جسدك، وأنك ستفقد يدك، وتبدأ في الندم على اليوم الذي خرجت فيه من البيت؟ هذا التضخيم العبثي هو בדיוק ما نفعله مع آلامنا النفسية.

نحن نأخذ موقفاً عابراً، أو كلمة جارحة من شخص عابر، فنحولها إلى “ملحمة تراجيدية” نعيش أبطالاً فيها. العقل ينسج حول الألم شبكة معقدة من التبريرات، والأحكام المسبقة، والرثاء الذاتي، حتى ينسى الإنسان أن الحدث الأصلي قد انتهى، ولم يتبقَ منه سوى الحكاية التي يصر على ترديدها بصوت عالٍ في كل خلوة.

الفصل الثالث: التحرر.. متى تدرك أن الحكاية كاذبة؟

اللحظة الأكثر إشراقاً في حياة الإنسان هي تلك التي يستيقظ فيها فجأة على حقيقة مذهلة: أن شعوره بالعذاب لا علاقة له بواقعه، بل بما يخبره به عقله عن واقعه.

حين تدرك أن ألمك ليس حقيقة مطلقة، بل هو مجرد سردية قابلة للتعديل أو الحذف، ينكسر القفص فوراً. إنك لست مجبراً على تصديق كل ما يوسوس لك به عقلك وقت الحزن. فتماماً مثلما يستطيع الكاتب أن يغير نهاية الرواية، تستطيع أنت أن تغلق كتاب المعاناة وتفتح صفحة بيضاء جديدة.

  • توقف عن اجترار التفاصيل: لا تعد حكاية وجعك على مسامعك ومسامع الآخرين كل يوم، فالجروح لا تلتئم إن ظللت تنكؤها باستمرار.
  • فصل الحدث عن التأويل: انظر إلى ما حدث كواقعة مجردة خالية من الأحكام العاطفية، واقصر الألم على حجمه الطبيعي دون تهويل.
  • عش في حاضرك: فالمعاناة لا تسكن إلا في المستقبل الوهمي أو الماضي المنقضي، أما اللحظة الحاضرة فغالباً ما تكون أهدأ بكثير مما يتخيله عقلك.

ألمك ليس حقيقة مطلقة، بل هو حكاية كتبها عقلك المذعور أو الحزين. وإذا كنت أنت الكاتب، فأنت وحدك من تملك سلطة تغيير النص، أو إنهاء القصة، أو السخرية من دراميتها المبالغ فيها.

توقف عن تصديق كل ما يرويه لك عقلك في ساعات العتمة، وتذكر دائماً أنك لست الحكاية المؤلمة التي مررت بها، بل أنت ذلك الكائن الحر الذي يملك شجاعة إغلاق الكتاب، والبدء من جديد، بلا ندوب وهمية، وبلا قفص من صنع الأفكار.

إرسال التعليق