التوسع الاستيطاني تحت مجهر الأمم المتحدة

عقد مركز العودة الفلسطيني فعالية جانبية هامشية ضمن أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 29 سبتمبر 2026، تحت عنوان “التوسع الاستيطاني والتهجير وواجبات الدول الثالثة في الأراضي الفلسطينية المحتلة”. أدارت الندوة مريم سرور، مسؤولة المناصرة والعلاقات الخارجية بالمركز، وشهدت مشاركة أخد ألمع الخبراء والأكاديميين للوقوف على التطورات الهيكلية والقانونية في الضفة الغربية المحتلة.

عنف المستوطنين: جزء من جهاز الدولة والمخطط الاستعماري

أوضح البروفيسور نيف غوردون في مداخلته أن عنف المستوطنين لا يمكن قراءته كأفعال معزولة أو منفردة، بل هو جزء لا يتجزأ من نظام إكراه مؤسسي ترعاه الدولة الإسرائيلية وتتيحه بشكل مباشر.

  • الدعم اللوجستي والعسكري: توفر الدولة للمستوطنين العتاد والأسلحة، والسيارات، ومعدات الرؤية الليلية، والطائرات المسيرة، في حين يتقاعس الجيش والشرطة عن حماية المدنيين أو التدخل لمنع الاعتداءات.
  • الحماية القضائية والأمنية: تُشكل الأجهزة الأمنية والقضاء غطاءً للانتهاكات، حيث يُطلق سراح الجناة بانتظام أو يتلقون أحكاماً مخففة لا تتناسب مع الجرائم المرتكبة.
  • الأثر النفسي والترهيب: يمتد أثر هذا العنف إلى الإرهاب النفسي الذي يحاصر العائلات داخل منازلها وسط اعتداءات تشمل إحراق المركبات ومحاولات الاقتحام ورش الفلفل، بهدف نشر الخوف الشامل.
  • تجزئة المكان و”منطق الإبادة”: يرتبط هذا العنف بحرمان الفلسطينيين من حريتهم في الحركة والتنقل عبر إعلان المناطق العسكرية المغلقة، ومناطق إطلاق النار، والمحميات الطبيعية. واستند غوردون إلى مفهوم الباحث باتريك وولف حول الاستعمار الاستيطاني، مؤكداً أن الهدف النهائي يمثل “مشروع إبادة” يرمي لتجريد الفلسطينيين من أرضهم وتشريدهم وإحلال المستوطنين مكانهم عبر التطهير العرقي.

العواقب الاقتصادية والمؤسسية: الضم الفعلي والتهجير

من جانبها، سلطت الدكتورة تهاني مصطفى الضوء على تدهور الأوضاع الميدانية متوقفةً عند المؤشرات السابقة والحالية:

  • معدلات الاعتداءات ورصدها: بلغت حوادث العنف قبل 7 أكتوبر 2023 نحو 184 حادثة يومياً، يُسجل منها رسمياً 4 حوادث فقط بسبب تركيز آليات الرصد على العنف الجسدي وتجاهل الإساءات اللفظية والنفسية.
  • تأثر الحياة اليومية والاقتصاد: اضطر الباحثون الميدانيون لاختيار أيام السبت حصراً لإجراء أبحاثهم مستغلين عدم نشاط المستوطنين المتطرفين. كما تسبب عدم الأمان في شل حركة الشركات الفلسطينية، وتخريب خطوط المياه والبنية التحتية الزراعية.
  • تقاعس المؤسسات وتعميق المخاطر: يمتنع الجيش والشرطة عن التحقيق مع مرتكبي الجرائم المعرفين لديهم، بل يُسهلون حوادث العنف وعمليات الحصار عبر إغلاق منافذ القرى. كما أن بناء الأسوار حول التجمعات (مثل سنجيل وتورموسية) يُحولها إلى مصائد بشرية تُزيد من هشاشة السكان وتزيد من المخاوف من وقوع مجازر جماعية.
  • الضم الفعلي وتآكل الشرعية: أدى تضافر هذه العوامل إلى تفتيت الاقتصاد، ودفَع قطاعات من السكان نحو التفكير في “الهجرة الطوعية” لغياب مقومات الحياة، في ظل عجز السلطة الفلسطينية عن تقديم الحماية، مما يمثل عملية سريعة لفرض الضم الإسرائيلي الصريح والفعلي للضفة الغربية.

المساءلة القانونية للدول الثالثة: حظر شامل وليس استنكاراً مشروطاً

اختتم الدكتور رالف وايلد الندوة بتحليل التبعات القانونية الناشئة عن عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على التزامات “الدول الثالثة” بناءً على القانون الدولي والفتوى الاستشارية لمحكمة العدل الدولية لعام 2024، واختصرها في ثلاثة واجبات رئيسية:

  1. العمل الإيجابي لإنهاء الاحتلال: عبر فرض عقوبات شاملة على إسرائيل والأفراد المسؤولين.
  2. عدم الاعتراف: رفض إضفاء أي شرعية على هذا الوجود غير القانوني، بما في ذلك رفض التذرع الإسرائيلي بالحصول على حق “الدفاع عن النفس” لتبرير وجودها في أي جزء من الأراضي المحتلة بما فيها غزة.
  3. امتناع كامل عن تقديم الدعم: شدد وايلد على أن التزام عدم المساعدة لا يتطلب إثبات “نية” الدولة في دعم أفعال غير قانونية؛ فبما أن قطاعات الاقتصاد والجيش والسياحة والتعليم والتجارة متداخلة تماماً مع بنية الاحتلال، فإن تقديم أي دعم يعد مشاركة غير مباشرة.

ودعا وايلد المجتمع الدولي إلى تجاوز السياسات الجزئية التي تقتصر على مقاطعة بضائع المستوطنات فقط، وفرض حظر تجاري وعسكري واستخباراتي شامل على إسرائيل ككل، والانتقال الفوري من التصريحات الرمزية إلى ممارسات قانونية ملزمة تُنهي الوضع غير المشروع برمته.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك