قوانين الجنون.. حين تصبح الحكمة تهمة في عالم مقلوب
أسماء شاهر
في عالم تعسف في قياس الأشياء بمقاييس الزيف والتجمل، يجد الإنسان العاقل نفسه محاصراً بأسئلة لا تنتهي. وحين يختار أن يغرد خارج السرب، وأن يرفض القطيعة مع حقيقته، يواجه تهمة جاهزة ومغلفة بابتسامة الاستهجان: “أنت مجنون!”.
لكن، هل الجنون حقاً هو الخروج عن المألوف؟ أم أن ما يُسمى بالاعتدال والعقلانية في هذا العصر ليس إلا شكلاً متقدماً من أشكال الجنون المقنن؟
تضعنا الكاتبة أسماء شاهر أمام مرآة صادمة لنكتشف معاً قوانين الجنون التي تحكم هذا العالم المقلوب.
أولاً: قانون العبث.. حين يصبح التمسك بالصدق تهمة
في مجتمعات تحترف ارتداء الأقنعة وتغيير الجلود حسب الطلب، يُعد الصدق جُرماً لا يُغتفر. من يتحدث بحقيقته العارية، ومن يرفض النفاق الاجتماعي أو المجاملات العفنة، يُنظر إليه بريبة واستغراب شديدين. هنا ينص القانون الأول للجنون على أن: من يتصرف بطبيعته النقية في عالم زائف، يعتبره الجميع شخصاً شاذاً عن القاعدة. يصبح العقل الحقيقي تهمة، والتصرف بسوية فطرية خروجاً عن مألوف “الجنون الجماعي” المتفق عليه.
ثانياً: قانون الهروب من الذات.. ركض مستمر بلا مأوى
القسم الأعظم من البشر يعيشون في حالة فرار دائم من أنفسهم. يخافون السكون، ويرتجفون أمام خلوة الروح التي تكشف عوراتهم الداخلية. لذلك، يقضي “العقلاء” وفق معايير هذا العصر أوقاتهم في اللهث خلف الضجيج، وإرضاء الآخرين، واستهلاك المظاهر الفارغة. وحين تقرر أنت أن تتوقف، أن تجلس مع ذاتك، أن ترفض هذا الركض العبثي نحو لا شيء، يرمقونك بنظرات الشفقة ظناً منهم أن خللاً ما قد أصاب عقلك، غير مدركين أنك الوحيد الذي استيقظ من سبات القطيع.
ثالثاً: قانون الوحدة الجبرية.. ثمن الثبات على المبدأ
الوقوف في وجه التيارات الجارفة يتطلب ثمناً باهظاً اسمه العزلة الاختيارية. القوانين السائدة تقضي بأن تذوب في المجموع لكي تكون “مقبولاً”. أما أن تختار أن تكون حراً، متمسكاً بقيمك، رافضاً للفتات والحلول الوسط، فهذا يعني أنك ستعيش لبعض الوقت غريباً. ولكنه غريب عظيم؛ فأن تكون “مجنوناً” في نظر عالم يتنازل عن إنسانيته كل يوم من أجل المكاسب الرخيصة، هو أرفع أوسمة الشرف التي يمكن أن تقلّد بها روحك.
رابعاً: التحرر الحقيقي.. حين تفهم جنونهم وتختار سلامك
الوعي الحقيقي يبدأ حين تدرك أن محاولة إقناع العالم المقلوب بصوابك هي درب من دروب العبث. لا تهدر طاقتك في تصحيح المفاهيم لمن يرتزقون من أوهامهم. اتركهم في صخبهم، واعتنق سلامك الداخلي، واعلم أن الجنون الأكبر هو أن تستهلك عمرك وأنت تحاول أن تبدو “عاقلاً” في عيون أشخاص فقدوا بوصلة الإنسانية.
لا تخشَ أن يصفوك بالمجنون حين ترفض القطيعة مع مبادئك. ففي عالم تُقيس فيه الأقفاص قيمة الطيور بحجم طاعتها، يكون التحليق خارج السرب هو الشكل الوحيد للحرية العقلية الكاملة. دعهم لجنونهم، وابقَ أنت سيد عزمك وسلامك.


إرسال التعليق