لا أرى.. لا أسمع.. ولكني أتكلم!
جميل مرتضى
في التراث الشعبي والتاريخي، أتحفتنا المنحوتة اليابانية الشهيرة بالقردة الثلاثة: “لا أرى شراً، لا أسمع شراً، لا أتكلم شراً”. كانت هذه الحكمة القديمة تدعو إلى العزلة الأخلاقية والترفع عن الخوض في الآثام. غير أن الحياة الحديثة، بأساليبها الكوميدية الفذة، قررت أن تطور هذه المقولة وتصيغ منها “المواطن النموذج” للقرن الحادي والعشرين، لتصبح القاعدة الذهبية المعاصرة: «لا أرى.. لا أسمع.. ولكني أستمر في الكلام!»
إن التطور المذهل الذي شهدته البشرية في العصر الحديث لا يكمن في اختراع الذكاء الاصطناعي أو استكشاف المريخ، بل في تحويل “الجهل بالشيء” من حالة خجل مستورة إلى منصة إطلاق للآراء والجزم القاطع!
تأمل معي هذا الكائن الجديد الذي ملأ المقاهي وشاشات التلفزيون والمنصات: إنه شخصٌ “لا يرى”؛ أي أنه لم يقرأ كتاباً واحداً في حياته، ولم يكلف خاطره بقراءة الخبر حتى نهاية العنوان، ولم يطلع على وثيقة أو معلومة توثق ما يتحدث عنه. وهو “لا يسمع”؛ أي أنه يتعامى تماماً عن أي حجة، ويغلق أذنيه أمام أي حقيقة أو رأي مخالف، ويرى النقاش مجرد سباق لمن يملك صوتاً أعلى ومدى تنفس أطول! ولكنه —وهنا السحر كله— “يتكلم”! بل يتكلم بغزارة، وبثقةٍ مطلقة تزعزع إيمان الفلاسفة، ويحلل الأزمات الاقتصادية، ويضع خطط الحروب، ويشخص الأمراض المستعصية، ويفتي في العلوم الفضائية بينما هو يرتشف فنجان قهوته المرة!
لو سألتَ خبيراً ذرياً عن تخصصه لقال لك: “الموضوع معقد ويتطلب مزيداً من البحث”. أما صاحبنا “الأعمى الأبكم اختيارياً”، فلو سألته عن القنبلة الهيدروجينية لأجابك فوراً ودون تردد: “الأمر بسيط جداً يا أخي! العطل كله في الكابل الحساس.. اقطعه من المنتصف وستحل المشكلة!”.
إن أزمة عصرنا لم تعد في قلة المعلومات، بل في “فائض الرأي المقترن بشح المعرفة”. أصبحت الجرأة على الخوض في كل شيء هي البديل العصري للثقافة. تجد الشخص يستمع إلى بداية الجملة فقط، ثم يقاطعك ليُلقي عليك محاضرة لمدة ساعة في موضوعٍ لم يكن يعرف بوجوده قبل دقيقتين!
لماذا يصر البشر على الكلام وهم لا يرون ولا يسمعون؟ لأن الصمت يتطلب شجاعةً وتواضعاً فكرياً، ويتطلب الاعتراف بالحدود البشرية للعقل. أما الكلام الفارغ، فهو مجاني، لا يحتاج لرخصة، ولا يدفع صاحبه عليه ضريبة، ويمنحه شعوراً زائفاً بأنه مركز الكوان والمحيط بأسراره!
يا صديقي، إذا التقيتَ يوماً بكسولٍ فكري يصر على أن يشرح لك كيف تدار المجرات وهو لا يعرف كيف يطفئ السخان في بيته، لا تجادله، ولا تحاول أن تجعله “يرى” أو “يسمع”. ابتسم له بهدوء، ودعه يكمل خطبته العصماء، وتذكر دائماً: نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الصوت العالي هو الدليل الوحيد على أن صاحبه ما زال يتنفس!
جميل مرتضى



إرسال التعليق