لماذا ترقص الأسهم في الهواء بينما المصانع على الأرض؟

بسمة عمران

هل استوقفكم يومًا هذا التناقض العبثي؛ أن تجدوا شركة عتيقة تمتلك آلاف الأطنان من الحديد، ومصانع تمتد على مساحات شاسعة، ومخزونات هائلة من المواد الخام التي يمكن لعين المتروك أن تراها وتلمسها، ومع ذلك تجد أسهمها في البورصة تحلق كالريشة في مهب الريح بقيم خيالية لا علاقة لها بالواقع المادي؟ أم أنكم لاحظتم عكس ذلك تماماً؛ شركة أخرى لا تملك سوى مكتب ضيق في الطابق الأخير، ولاب توب قديم، وثلاثة موظفين يتناولون قهوتهم بسكينة، بينما أسهمها تتداول بمليارات الدولارات؟ الحقيقة المذهلة التي يتجاهلها عشاق السحر المالي هي أن السهم لا يمثل بالضرورة قيمة مساوية لسعره في البورصة. قد تكون الشركة تمتلك مصانع وآلات ومواد ومخزونات، لكن سعر أسهمها يمكن أن يرتفع بصورة تفوق بكثير قيمة هذه الأصول. لماذا؟ دعونا نبحر في هذا العبث المنظم!

أولاً: اقتصاد الوهم والتوقعات.. حين تصبح “الأحلام” أغلى من الطوب والحديد

في السوق المالية الحديثة، لا أحد يشتري الطوب، ولا أحد يكترث كثيراً للآلات والحديد الصدئ. إن ما يُباع ويُشترى حقاً هو “الوهم الجميل” أو ما يسمى بـ التوقعات المستقبلية:

  • سحر المستقبل: سعر السهم ليس مرآة لما تمتلكه الشركة اليوم، بل هو رهان محموم على ما قد تحققه بعد خمس أو عشر سنوات. إذا نجح مجلس الإدارة في بيع “حلم براق” للمستثمرين بأنهم سيغزون العالم بتطبيق تافه أو بصناعة وهمية، فإن السهم يطير إلى السماء، بغض النظر عن كون رصيد الشركة الفعلي لا يتجاوز قيمة ماكينة تصوير قديمة.
  • الربح المتوقع كبديل للواقع: السوق لا تكترث بالقيمة الدفترية للأصول الحقيقية؛ بل تكترث بـ “معدل نمو الأرباح المتوقعة”. كلما كانت الأكذوبة أو التوقع أكبر وأكثر بريقاً، كلما تضخم سعر السهم وابتعد رويداً رويداً عن أي صلة بالمصانع والمخزونات التي تقبع في الخلفية.

ثانياً: سيولة الهواء.. حين تغمر الأموال الرخيصة صالات التداول

ولأن المال في عالمنا لا يتحرك بدفع من العرق والجهد، بل بدفع من مطابع البنوك المركزية وسيولة المضاربات الكبرى، يحدث الخلل الأكبر:

  • عندما تتدفق السيولة الهائلة وتغرق الأسواق، تبحث الأموال عن أي مكان تتكاثر فيه بسرعة جنونية. هنا تتحول البورصة إلى كازينو قمار عالمي.
  • المستثمرون لا يشترون السهم ليدخلوا شركاء في أرباح المصنع، بل ليشتروه اليوم ويبيعوه غداً بثمن أعلى لشخص أغبى منهم (أو أسرع طمعاً). هذا التدافع المستمر على الشراء والبيع هو الذي يدفع الأسعار للارتفاع بصورة تفوق آلاف المرات قيمة الأصول المادية الملموسة. تصبح الأسهم مجرد “أوراق كوتشينة” يتداولها المضاربون، بينما الآلات في المصنع تعمل بصمت وتنتج سلعاً حقيقية لا يعبأ بها أحد!

ثالثاً: النفخ الإعلامي وسيكولوجية القطيع

في عالم الأسهم، الإشاعة والبريستيج الإعلامي أثقل وزناً من ميزانية الشركة ذاتها:

  • كفاية أن يخرج المدير التنفيذي لشركة ما، بتسريحة شعر هندسية ونظارات ذكية، ليطلق تصريحات رنانة عن “الذكاء الاصطناعي والتطور المستدام”، ليهرع قطيع المستثمرين مغمضي الأعين لشراء الأسهم بأي ثمن.
  • هنا ينفصل السعر كلياً عن الأرض ومصانعها، ويصبح تابعاً حصرياً لـ “المزاج العام للقطيع” ولحجم التضخيم الإعلامي.

أيها الأصدقاء، إن الفارق الشاسع بين سعر السهم وقيمة الأصول الحقيقية للشركة هو الفارق الضوئي بين “الاقتصاد الحقيقي” الذي ينتج خبزاً وطوباً وسلعاً نافعة، و”الاقتصاد الوهمي” الذي يصنع المليارات من دخان الوعود وأحلام اليقظة. فإذا رأيتم سهماً يطير عالياً، فلا تظنوا أن مصانع الشركة قد تحولت إلى ذهب، بل اعلموا أن الوهم قد وجد له سوقاً رائجة في عقول الباحثين عن الثراء السريع بلا عرق!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك