مشكلة سقوط هيبة الولايات المتحدة الأمريكية

يعيش العالم الغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، حالة من الارتباك والإنكار الجيوسياسي أمام التراجع التسارعي لهيمنته المطلقة على الشرق الأوسط. لم تعد واشنطن قادرة على الاستفراد بالمنطقة وصياغة معادلاتها كما تفعل منذ عقود، إذ فرض الصعود الممنهج للقوى المنافسة—لا سيما الصين وروسيا عبر شراكات الطاقة ووساطات السلام والدبلوماسية الاقتصادية—واقعاً متعدّد الأقطاب يضيق الخناق على النفوذ الغربي التقليدي.

وأمام هذا التآكل الهيكلي، لم يجد المركز الاستعماري بدّاً من هندسة استراتيجيات تعويضية تقوم على البدائل الوكيلة وإعادة صياغة أدوات الهيمنة، تفادياً للخروج الكامل من معادلة الشرق.

تتجلى إحدى أخطر هذه الاستراتيجيات في محاولة “استخلاف إسرائيل” لتصبح المقاول الأمني والسياسي الأول عن الغرب في المنطقة، وتحويلها من كيان مشبوه إلى مركز قيادي إقليمي.

غير أن هذا المخطط يصطدم بجدار من الرفض الشعبي العربي والإسلامي المتجذر، الذي يرفض الهيمنة الإسرائيلية مهما تماهت معها بعض النخب الحاكمة.

ولتجاوز هذا العائق الوجداني والسياسي، جرى التدرج عبر تكتيكات ناعمة تُعرف بـ “التمييع”—تستهدف إذابة الهوية الجمعية وتفكيك الوعي السياسي للشارع وإلهائه بالقضايا الهامشية—تمهيداً لتطبيق “الفوضى الخلاقة”.

تهدف هذه الفوضى إلى تفكيك المجتمعات والدول المحيطة وإنهائها من الداخل، لتغدو إسرائيل واحة الاستقرار والقدرة الوحيدة في محيط مهشم، والجهة المرجعية الإلزامية لأي ترتيبات إقليمية مقبلة “الربيع العربي انموذجاً”.

هذا السلوك الإمبراطوري ليس طارئاً، بل يمثل امتداداً لهندسة استعمارية قديمة.

فكما أُرسي نموذج التقسيم والتبعية عبر اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور لزرع كيان وظيفي يفصل الجسد العربي ويمزق أواصره، أُعيد إنتاج التكتيك ذاته في غزو العراق عام 2003 لإسقاط إحدى أهم القوى المركزية في المنطقة تحت حجج واهية، مما فتح الباب على مصراعيه للفوضى الطائفية والتدخلات الخارجية، وجعل الساحة العراقية حقل تجارب أولياً لسياسات التفتيت بالوكالة.

وضع المنطقة حتى الثمانينات مقارنة باليوم يكشف مدى نجاح الغرب في مشروعة المدمر، إن مقارنة بسيطة بين واقع المنطقة الممتد من الخمسينيات وحتى الثمانينيات—حين كان الوعي الجمعي يلتف حول قضايا التحرر والسيادة الوطنية—وبين واقعها الراهن، تكشف عن مدى الفاعلية التدميرية للمخططات الغربية.

لقد نجح الغرب، عبر عقود من الاستقطاب وإضعاف الأنظمة وتغذية النعرات، في إعادة توجيه بوصلة العداء؛ فبدلاً من مواجهة المشروع الاستعماري الأصيل، أُغرق الفاعل الإقليمي في عداوات بينية واقتتال داخلي، وتحققت نتائج هندسية مجتمعية تُنجز عادة في قرون خلال عقود قليلة فقط.

ويظهر استغلال الانقسامات التاريخية جلياً في تجارب المنطقة؛ فحين اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، رعت القوى الغربية استنزافاً متبادلاً للطرفين أهدر مئات الآلاف من الأرواح وثروات طائلة لصالح أمن الطاقة والهيمنة الخارجية.

ومع اندلاع أحداث “الربيع العربي”، أُعيد استخدام الذرائع نفسها؛ فبدلاً من الانتقال نحو التنمية والاستقرار والتعاون، جرى استغلال حالة السيال السياسي لإسقاط دول كانت تشكل ركائز للاستقرار، وتعميق الانقسامات الجغرافية والمذهبية، وتحويل سراب المطالب الشعبية إلى حروب أهلية واقتتال داخلي في سوريا وليبيا واليمن.

اليوم، تبدو المنطقة سائرة نحو مرحلة أكثر خطورة من الصراع المذهبي والهوياتي بالوكالة، يستحضر نماذج الحروب الباردة القديمة ولكن بلبوس طائفي أشد فتكاً.

فمنذ احتلال العراق وصعود النفوذ الإيراني، مروراً بالدور التركي المتعاظم حالياً، يجري الدفع باتجاه صراع استنزاف كبير تُلبس فيه إيران عباءة المحور الشيعي وتُدفَع تركيا أو قوى إقليمية أخرى لتمثيل المكون السني.

وبينما تنشأ في أتون هذا الصراع قوى متعصبة، برزت هذه القوى ليس من منطلق وطني بل من تعصب مذهبي، واظهار نجاحها بسبب تعصبها المذهبي، تتغذى على الاستقطاب المذهبي وتستمد بقاءها منه، يكتفي التخطيط الغربي-الإسرائيلي بمراقبة المشهد وجني مكاسب التفكيك الشامل، بما يضمن إدخال الشعوب في نفق مظلم يجهض أي أمل في النهوض الحضاري أو الانفكاك من التبعية.

– الدكتور شي سو

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك