التاريخ المالي للدنيار .. والـدينار الجزائري

لاراس حبيب

مع تطلع الجزائر بخطى ثابتة نحو آفاق عام 2031، تتجه الأنظار نحو إمكانية استعادة الدينار الجزائري لعافيته وقوته السوقية، بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي تقودها الدولة. إن رفع قيمة العملة الوطنية لم يعد مجرد طموح نظري، بل ترتكز رؤية العقد القادم على معطيات هيكلية حقيقية؛ أبرزها تنويع الصادرات خارج المحروقات، وتقليص فاتورة الاستيراد من خلال تشجيع الإنتاج المحلي، فضلاً عن تعزيز الرقمنة وضبط الكتلة النقدية عبر آليات بنكية أكثر صرامة وفاعلية. ومع تفعيل الشراكات الاستراتيجية الإقليمية والدولية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، تسعى الدولة إلى بناء اقتصاد منتج ومستدام، يكون قادراً تدريجياً على دعم القوة الشرائية للمواطن، وإعادة الاعتبار لقيمة الدينار لتتناسب مع حجم ومكانة الجزائر الاقتصادية الجديدة في أفق 2031.

حين تُولد الدول من رحم الاستعمار، فإن المعركة الكبرى لا تتوقف عند حدود رفع الرايات على السواري، بل تمتد إلى أشرس الميادين وأكثرها حساسية: معركة السيادة النقدية. فأن تملك أرضاً يعني أن تحرس جغرافيتها، لكن أن تبتدع عملة وطنية وتحدد قيمتها بذاتك، فهذا يعني أنك تكتب استقلال الاقتصاد بمداد من ذهب.

في قصة الدينار الجزائري تتجسد ملحمة كاملة؛ من حلم “بن بلة” الذي ربط العملة بالمعدن الأصفر الخالص لتنافس كبرى العملات العالمية في السبعينيات، وصولاً إلى منعطفات القرض والنقد اللاحقة وطبع النقود. فكيف بدأت الحكاية، وكيف تغير وجه الدينار عبر العقود؟

أولاً: ميلاد الدينار.. الارتواء من ينبوع السيادة (1964)

عقب الاستقلال، وجدت الجزائر نفسها ترزح تحت التبعية النقدية للفرنك الفرنسي، في وضع أشبه باستمرار الاستعمار عبر بوابة الخزينة. ولكسر هذه السلسلة، جاء القرار التاريخي والجريء تحت قيادة الرئيس أحمد بن بلة؛ حيث صدر القانون رقم 64-111 بتاريخ 10 أفريل 1964، القاضي بإنشاء العملة الوطنية الرسمية للبلاد “الدينار الجزائري” والتخلي نهائياً عن الفرنك الفرنسي.

ولم يكن الدينار مجرد قطعة ورق عابرة، بل وُلد مدججاً بالقوة والثقة؛ إذ ربط الرئيس بن بلة قيمته الحقيقية بالذهب الخالص، بحيث سُمي الغطاء الذهبي للدينار وقتها ليعادل 1 واحد دينار ما يقارب 180 ميليغراماً من الذهب.

هذا الغطاء الصلب هو السر خلف القيمة السوقية الهائلة والصلبة التي تمتع بها الدينار الجزائري طيلة حقبة السبعينيات وحتى أواخر الثمانينيات. وتبع هذا القانون الميداني صدور المرسوم الرئاسي رقم 64-113 بتاريخ 10 أفريل 1964 ليطرح في التداول أول إصدار وطني من فئات (100 دج، 50 دج، و10 دج)، والتي تزيّنت جميعها بصورة بطل الجزائر ومؤسس دولتها الحديثة، الأمير عبد القادر، لتكون رمزاً للهوية والسيادة معاً.

لنتخيل معاً صورة المشهد المالي في شهر جوان من عام 1971، لنعرف كيف كانت قوة الدينار في الأسواق الدولية والمغاربية مقارنة بعملات الجوار والعالم:

  • 01 فرنك فرنسي كان يساوي فقط 0.88 دينار جزائري!
  • 01 دولار أمريكي كان يعادل نحو 4.79 دينار جزائري فقط.

كانت منظومة الإصدار حينها تُدار بيد وطنية خالصة؛ فالبنك المركزي الجزائري (الذي تعود جذور تأسيسه الأولى إلى 04 أيلول 1851، قبل أن يُعاد تعديل قانونه الأساسي بعد الاستقلال بتاريخ 13 ديسمبر 1962 بموجب القانون رقم 62-144 تحت قيادة الحكومة وقتها)، كان هو المشرف الحصري على تصميم العملة وصناعتها محلياً داخل الوطن، مستعيناً بآلات ومواد مستوردة (كالورق المخصص للطباعة)، لكن بقرار سيادي جزائري بحت.

ثالثاً: التبدل الكبير.. سقوط الغطاء الذهبي وقوانين النقد اللاحقة

كل مجد مالي تحكمه المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية؛ ومع انهيار نظام بريتون وودز عالمياً وتخلي الدول عن الغطاء الذهبي تباعاً، دخل الدينار الجزائري مرحلة جديدة من التحولات الهيكلية:

  1. إلغاء قانون بن بلة (1990): في 14 أفريل 1990، صدر قانون القرض والنقد رقم 90-10، ليطوي صفحة النظام المالي القديم ويدخل بالبلاد في اقتصاد السوق وانفتاح المعاملات البنكية، وهو القانون الذي أُلغي لاحقاً بموجب الأمر رقم 03-11 المؤرخ في 26 أيلول 2003.
  2. منعطف الطبع النقدي (2017): تحت وطأة الأزمات الاقتصادية وتراجع مداخيل النفط، جاء التعديل المثير للجدل عبر القانون رقم 17-10 بتاريخ 11 أكتوبر 2017، الذي أجاز للبنك المركزي اللجوء إلى التمويل غير التقليدي (طبع النقود) لمدة خمس سنوات، والموضح تنفيذه ميدانياً في المَرۡسُوم التنفيذي رقم 18-86 بتاريخ 05 مارس 2018، والذي حمل توقيع الوزير الأوّل أحمد أويحيى.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك