أي النساء أكثر براعة في الرقص ..تصنيف الشعوب

هلا أيبك

للرقص لغة لا تحتاج إلى ترجمة؛ فهو التعبير الأكثر صدقاً وعفوية عما تختلجه صدور الشعوب من فرح، شجن، كبرياء، وأمل. وحين نتحدث عن الرقص الشرقي والعربي، فإننا لا نناقش مجرد حركات جسدية، بل نغوص في تاريخ طويل من الهوية، والأنوثة، والثقافة المتجذرة. وإذا كانت النساء هنّ الحارسات الأوائل لإيقاع الروح، فإن بعض الثقافات العربية قد أبدعت ووضعت بصماتها الخالدة على خريطة الجمال الحركي.

في جولة عبر أثير الإيقاع، وإلى ثلاث محطات عربية كبرى — حلب (سوريا)، إسطنبول (تركيا)، وتونس العصية — نكتشف كيف برعت نساء هذه الشعوب في تطويع أجسادهن لترجمة روح الأرض ببراعة ساحرة.

1. حلب (سوريا): سلطانة الطرب وأصالة “الدبكة والرقص الشرقي”

تتربع حلب على عرش الفن والأصالة في المشرق العربي، وحين تتحدث الموسيقى، تنطق نساء حلب إبداعاً. لم تكن المرأة الحلبية عازفة عن الرقص، بل كانت رائدة في إضفاء الوقار والفخامة على الحركة.

  • بصمة الجسد والروح: يتسم الرقص الحلبي -سواء في السهرات الطربية الكبرى أو في الأعراس التقليدية- بالرقي الشديد، حيث تمتزج حركات الأيدي الناعمة مع نظرات العزة والشموخ.
  • رقصة الأرض والدبكة: إلى جانب الرقص الفردي، تشارك المرأة الحلبية في “الدبكة” بعزم وثبات، وكأنها ترسخ قدميها في تاريخ مدينة عريقة واجهت عبر القرون كل العواصف وظلت تحافظ على نغمة “الموشحات” و”القدود” وكأن جسدها يرتعش طرباً مع كل نغمة عود وقانون.

2. إسطنبول (تركيا): سحر الشرق والغرب في رقصة “الغينا” والشرقي الأصيل

على مفترق الطرق بين قارتين، تقف المرأة التركية في إسطنبول لتقدم مزيجاً فريداً من الرقص الذي يجمع بين هدوء البوسفور وصخب التاريخ العثماني.

  • رشاقة الإيقاع وتسارع النبضات: تشتهر المرأة التركية ببراعتها الفائقة في الرقص الشرقي (Oryantal) والرقصات الفلكلورية المحلية مثل “الكسيك” (رقصة الملعقة) والرقصات الرومانية. تتميز الراقصة التركية بمرونة مذهلة في عضلات الخصر، وقدرة فريدة على دمج التعبير الوجهي الحماسي مع الحركات السريعة والمعقدة.
  • فلسفة الحركة: في إسطنبول، لا يعتبر الرقص مجرد عرض، بل هو احتفال بالحياة والحرية، حيث تتمايل المرأة كأنها زهرة تفتح أوراقها على أنغام الطبول والقروبال، تاركةً للمشاهدين انطباعاً بأن الجسد قادر على رواية حكايات السلاطين والعامة في آن واحد.

3. تونس: خفة الإيقاع الساحلي وسحر “المزود” العفوي

أما في تونس الخضراء، فإن رقصة المرأة تحمل طابعاً مغاربياً خاصاً، يمزج بين عبق المتوسط وسحر الصحراء. التونسية بارعة بالفطرة في نقل إيقاع الفرح إلى كل ركن من المكان.

  • سحر التموجات والكتفين: يتميز الرقص التونسي التقليدي، الحاضر بقوة في الأعراس والمهرجانات (مثل رقصات الساحل، والصفاقسي، والجريدي)، بحركات الأكتاف القوية، ومرونة الخصر، وحركات الأيدي المنسابة كأمواج البحر.
  • روح “المزود”: على أنغام الطبلة والمزود، تطلق المرأة العنان لعفويتها، لتتحول إلى أيقونة في البهجة والحيوية. الرقص في تونس ليس مجرد حركات محفوظة، بل هو تفاعل وجداني عارم مع الإيقاعات الشعبية التي تعبر عن كرم أهل الدار وحرارة ترحيبهم.

بين دلال حلب، وسحر إسطنبول، وحيوية تونس، تثبت المرأة العربية والمتوسطية أن الجسد البشري، متى ما سكنته الروح والفن، يتحول إلى لوحة فنية تتحرك على الأرض. إنها براعة تتوارثها الأجيال، لتظل نساء هذه البلدان صانعات للفرح وناطقلات للجمال مهما اشتدت ظروف الحياة.

إرسال التعليق