اخر الاخبار

لماذا تمنع قوانين الطيران الطيارين من الصوم

سماء الجسد وعاصفة الارتفاع: حين يصوم الطيار عن وطأة الأرض

آسيا أيت عامر

حين يرتفع الطيار بمقود طائرته نحو الأعلى، تاركاً خلفه صخب الأرض وتفاصيلها المادية الثقيلة، فإنه لا يعبر طبقات الغلاف الجوي فحسب، بل يقتحم عالماً آخر تتبدل فيه قواعد البيولوجيا والفيزياء. وهناك، في تلك العزلة المعلقة بين السحاب، تتجلى قسوة المعايير الصارمة لسلامة الطيران، لاسيما حين تصطدم رغبة الروح الإنسانية في أداء شعائرها، وفي مقدمتها الصيام، ببيئة قاسية لا ترحم الخطأ.

تخبرنا قوانين الطيران العالمية أن الصيام ليس ممنوعاً باعتباره نصاً ددينياً، بل محظوراً كحالة تشغيلية في بيئة عداء سافر للجسد البشري. فالكبينة ليست صالة منزلية هادئة؛ إنها تشبه صحراء قاحلة ترتفع آلاف الأقدام، حيث تتهاوى نسبة الرطوبة إلى أدنى مستوياتها لتجفف الأبدان بصمت. في هذا الفراغ الموحش، يفقد الامتناع عن الماء معناه الروحي البسيط ليتحول إلى فتيل خطر يهدد بالدخول في دوامة “الجفاف” الخفي، حيث يهاجم الصداع الحاد والدوار حواس من يفترض أنهم يقودون مئات الأرواح بسرعة الصوت.

وليست السوائل وحدها هي الرهان؛ فالدماغ البشري، ذلك الحاسوب العضوي المعقد، يعتمد كلياً على جرعات منتظمة من الجلوكوز لتبقى شاشات انتباهه متقدة. وعندما ينقطع الطعام لساعات، تتراجع مستويات السكر تدريجياً، لتبدأ معها كوارث بطء اتخاذ القرار، وتشوش التركيز أمام لوحة عدادات تضج بالتعقيد. إن ثانية واحدة من شتات الذهن في سماء مشحونة بالضغط ونقص الأكسجين النسبي، كفيلة بأن تحيل الرحلة إلى كابوس.

من هنا تفهم لماذا تقف سلطات الطيران بحزم أمام أي مغامرة بالجاهزية البدنية (Fitness for Duty). فالطيار لا يتحمل مسؤولية جسده وحده، بل يحمل في صمامات قلبه أمانة سلامة طاقم كامل وركاب ناموا مطمئنين خلف باب مقصورة مُحكم الإغلاق.

إنها مفارقة إنسانية موجعة؛ أن يضطر الإنسان أحياناً لتعطيل أشواق روحه المؤقتة حفاظاً على أمان الحياة، أو أن يوازن بحكمة بالغة بين قدسية العبادة ومسؤولية الحفاظ على الأرواح. ففي علياء السماء، لا مكان للعاطفة المطلقة، وحدها القوانين الصارمة والعقل الحاضر هما ما يصنعان مسافة النجاة بين طائرة عابرة للغيم، وأرض تترقب وصولها بسلام.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك