شهادة تاريخية في حق الجنرال الكبير

تحتفظ الذاكرة التاريخية والعسكرية العربية بأسماء لشخصيات صنعت فارقاً جوهرياً في مسار الأمة، ويأتي في طليعة هؤلاء القادة الكبار الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية أثناء حرب أكتوبر المجيدة. وتتجسد إحدى أصدق وأعمق الشهادات في حق هذا القائد الفذ فيما سطره الأديب والروائي الكبير جمال الغيطاني في كتابه “الفريق سعد الدين الشاذلي: شهادات ووثائق”، حيث اختزل مسيرة رجل استثنائي بعبارات دقيقة وموجزة تحمل أبعاداً عسكرية وإنسانية عميقة.

1. الإنسانية والاحترافية: القائد الذي لا يهمل التفاصيل

يقول جمال الغيطاني في شهادته المختصرة والبليغة:

«وباختصار شديد أستطيع القول إنه كان إنسانًا رائعًا على المستوى الشخصي، وكان قائدًا حقيقيًا لا يهمل أدق التفاصيل»

تجمع هذه العبارة بين نقيضين قلما يجتمعان في شخصية عسكرية رفيعة المستوى؛ فالصرامة القيادية لم تطفئ الجانب الإنساني الرفيع لشخصية الشاذلي. لقد كان قائداً يبني جسور الثقة مع مرؤوسيه، وفي الوقت ذاته، تظهر عبقريته في حرصه الشديد على متابعة ودراسة أدق التفاصيل الميدانية واللوجستية، متبعا منهجاً لا يترك شيئاً للصدفة، وهو السر الكامن خلف دقة التخطيط لعمليات العبور العسكري.

2. التجديد والتطوير: الابداع في فنون القتال

ويتابع الغيطاني مبرزاً البعد الإستراتيجي والفلسفي لتجربة الشاذلي:

«وكان مبدعًا في فنون القتال، بحيث استطاع خلال الحقبة التي تولى فيها رئاسة الأركان أن يغير كثيرًا من المفاهيم في القوات المسلحة نفسها»

لم يكن الشاذلي مجرد ضابط يتبع القوالب الكلاسيكية المعهودة، بل كان مبدعاً ومبتكراً في صياغة العقيدة القتالية وتطويرها بما يتلاءم مع طبيعة المعركة والمتغيرات الإقليمية. إن فترة توليه رئاسة الأركان شكلت علامة فارقة عبر إحداث نقلة نوعية وتغييرات جذرية في مفاهيم وتكتيكات القوات المسلحة، مما أهل الجيش المصري لخوض ملحمة أكتوبر بكفاءة غير مسبوقة.

3. صانع النصر الحقيقي: مهندس حرب أكتوبر

ويختتم جمال الغيطاني شهادته التاريخية بالقول الحاسَم:

«وفي نفس الوقت يمكن القول إنه القائد الحقيقي لحرب أكتوبر، بمعنى أنه هو الذي قام بإعداد وتجهيز القوات»

تُعتبر هذه الشهادة من أدق الإنصاف التاريخي لدور الفريق الشاذلي؛ فهو العقل المدبر و”مهندس الخطة (باقي)” الشهيرة، وهو الذي تولى مسؤولية الإعداد والتجهيز المعنوي والمادي والقتالي للجيش المصري حتى لحظة الانقضاط وكسر خط بارليف المانع.

خاتمة

إن شهادة جمال الغيطاني في كتاب “الفريق سعد الدين الشاذلي: شهادات ووثائق” لا تمثل مجرد انطباع عابر، بل هي وثيقة أدبية وتاريخية توثق لفترة من أرقى فترات العسكرية العربية، وتؤكد أن الأوطان تُبنى وتُصان بجهود المخلصين أمثال الشاذلي، الذين جمعوا بين شرف العسكرية وعبقرية التخطيط ونقاء الإنسانية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك