لا أظن أن انتشار المخدرات كان صدفة؟

بسمة عمران

حين نتأمل تلك الظواهر الاجتماعية المدمرة التي تكتسح مجتمعاتنا كالنار في الهشيم، وتمتد جذورها لتلتهم عقول الشباب وتفرغ البيوت من دفئها واستقرارها، يتساءل البعض بسذاجة مفرطة: “يا لها من صدفة غريبة! من أين ظهرت كل هذه السموم فجأة؟”.. لكني أقف دائماً أمام هذا السؤال بابتسامة حزينة، وأقولها بيقين تام: لا أظن أن انتشار المخدرات كان صدفة، أبداً! الصدفة في عالم الاجتماع والسياسة هي مجرد غطاء غبي ندفع به لستر عورات المؤامرات الكبرى، أو لتمييع المسؤوليات الجسيمة لشبكات منظمة تجد مصلحتها العليا في تدمير وعي الأجيال القادمة.

أولاً: اقتصاد الخراب الممنهج.. من يربح من عتمة العقول؟

تجارة المخدرات ليست مجرد نشاط عشوائي يقوم به تجار صغار يبحثون عن الربح السريع في الشوارع المظلمة؛ بل هي “صناعة استراتيجية” متكاملة الأركان تحركها مليارات الدولارات وتديرها شبكات عابرة للحدود:

  • حين يُترك الشاب بلا أفق، بلا عمل حقيقي، بلا حلم وطني أو اقتصادي، يأتي هذا “المخدر” ليملأ الفراغ القاتل، ويتحول إلى صناعة تدر أرباحاً خيالية على من يقفون في قمة الهرم، بينما يدفع الضحايا ثمن أعمارهم وكرامتهم.
  • إن تحويل أجيال كاملة إلى “متلقين غائبين عن الوعي” هو أقصر الطرق وأرخصها لضمان عدم طرح الأسئلة الصعبة، وعدم المطالبة بالحقوق، وتحويل المجتمع إلى كتلة استهلاكية مسحوقة لا تملك من أمرها شيئاً سوى البحث عن الجرعة القادمة لنسيان بؤس الواقع.

ثانياً: تدمير المناعة المجتمعية.. سلاح أفتك من الجيوش

في الحروب التقليدية، تحتاج إلى طائرات ودبابات لاحتلال أرض ما، وتكبد خسائر باهظة في الأرواح والمعدات. أما في “حرب المخدرات الحديثة”، فالأمر أبسط بكثير وأقل كلفة:

  • يكفي أن تغرق الأسواق بأنواع رخيصة ومبتكرة من السموم المدمرة (مثل الشابو، والكبتاجون، وغيرها من المركبات الكيميائية القاتلة)، لتجد أن الجدران الداخلية للمجتمع تتهاوى من تلقاء نفسها.
  • حين يفقد الأب قدرته على حماية ابنه، وحين يتخلى الشاب عن طموحه العلمي والعملي ويتحول إلى أسير لغريزته، تكون قد حققت للعدو (الداخلي أو الخارجي) ما عجزت عنه الجيوش النظامية؛ لقد نجحت في إلغاء عقل الأمة وتفكيك مناعتها النفسية والأخلاقية دون إطلاق رصاصة واحدة!

ثالثاً: الوهم الذي ترعاه أيادٍ خفية

لذلك، حين يخرج علينا من يزعم أن تفشي هذه الآفة هو مجرد “ظاهرة عابرة” أو انعكاس طبيعي لتغيرات العصر، أقول له بكل وضوح: إن ما يحدث هو هندسة اجتماعية خبيثة تُدار ببرود تام.

  • إغراق الشوارع بالسموم ليس أمراً عشوائياً، بل يرافقه غضّ طرف ممنهج أحياناً، وتسهيل لخطوط الإمداد، وتوجيه للإعلام نحو تفاهات أخرى تبقي الأعين مغمضة عما يجري في الكواليس الحقيقية.
  • إنها عملية “تخدير جماعي” ممنهجة، تضمن أن يظل المجتمع مشغولاً بمعاركه اليومية الصغيرة، يتخبط في أحزانه ومخاوفه، بينما يتم العبث بمستقبله على مرأى ومسمع من الجميع.

إن مواجهة ظاهرة المخدرات لا تبدأ فقط بحملات أمنية موسمية أو مصادرة شحنات هنا وهناك، بل تبدأ أولاً بوعي حقيقي يدرك أننا أمام “مشروع تدمير ممنهج” للوعي الإنساني. وحين نرفض أن نعامل هذه الكارثة باعتبارها مجرد “صدفة سيئة”، ونبدأ في تفكيك خيوطها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، سنكتشف حينها أن معركتنا الحقيقية ليست مع حبة دواء أو مسحوق سام، بل مع كل من يستفيدون من بقاء هذا الشعب غارقاً في ضباب العتمة والغياب!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك