العَدَم الجميل… حين تكتشف أن لا شيء يهم، وتبدأ في الاستمتاع بالمسرحية!
عبد الرحمن إبراهيمي
في شبابي الباكر، كنتُ أظن أن كوكب الأرض يدور بفضل محاولاتي المستمرة لحل أزماته، وأن المستقبل ينتظر مني بصمةً تاريخية تغير مجرى البشرية. كنتُ أقلق من كل شيء: من تأخر القطار دقيقتين، من نبرة صوت الموظف في الإدارة المحلية، ومن توقعات صندوق النقد الدولي لمعدلات التضخم!
ثم، وبقدرة قادر، استيقظتُ ذات صباح على حقيقةٍ مذهلة ومريحة للغاية، حقيقةٍ لو عرفها البشر لأغلقوا معاهد التنمية البشرية بالضبة والمفتاح: «لم تعد الحياة مهمة، ولا شيء في هذا الكون يستحق كل هذا العناء!»
إن الوصول إلى مرحلة “اللاشيء مهم” ليس اكتئاباً كما يحاول الأطباء النفسيون إقناعنا، بل هو أعلى درجات السلام الداخلي؛ إنه المصل الوقائي ضد الضغط والسكر وشيب الرأس المبكر!
تأمل معي كيف تتغير حياتك بمجرد إدراك هذه الفلسفة العظيمة:
- في العمل: عندما يصرخ مديرك بحماسٍ مفرط عن “ضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية للشركة للربع الثالث”، تنظر إليه بنظرة حنونة وتومئ برأسك قاطعاً الشك باليقين، بينما عقلك يفكر في سؤالٍ أعمق: “هل يضعون حبات الزيتون في البيتزا قبل الخبز أم بعده؟”.
- في الخلافات الشخصية: ينتهي شغفك بالدفاع عن وجهة نظرك في النقاشات العقائدية أو السياسية. يخبرك أحدهم أن الأرض مسطحة وتدور حول طبق طائر؟ ترتشف ششفةً من الشاي وتقول بثقة: “صحيح والله.. ونرجو لها التوفيق في دورتها القادمة!”.
- في العلاقات: يتوقف الشغف بالبحث عن “الفارس الأبيض” أو “الصديق المالي”. يصبح المعيار الوحيد لاختيار الأشخاص هو: “هل هذا الشخص يرفع ضغطي؟ نعم؟ إذن إلى اللقاء في الحياة الثانية!”.
إن الكارثة التي نعيشها هي أننا نأخذ أنفسنا على محمل الجدية في كوكبٍ متناهي الصغر، يسبح في مجرة بها مليارات الكواكب، وكل ما نفعله هو القلق بشأن فاتورة الكهرباء وشكل تسريحة الشعر!
يا صديقي، الحياة ليست سوى رحلة قصيرة على متن حافلة متهالكة؛ لا داعي للتشاجر على المقعد المجاور للنافذة، ولا داعي للغضب لأن السائق مشغل أغاني لا تعجبك. اجلس في الخلف، استرخِ، اضحك على الركاب الذين يتصارعون على لا شيء، وتذكر دائماً: بعد مائة عام من الآن، لن يتذكر أحد أنك نسيت شراء الخبز في طريق أوبتك للمنزل!
خذ نفساً عميقاً، ولا تعبأ بشيء.. فـ “لا شيء” هو الشيء الوحيد الذي يستحق ألا نأبه له!
عبد الرحمن إبراهيمي



إرسال التعليق