ماذا لو كان جمال عبد الناصر هو قائد حرب أكتوبر؟
اللواء متقاعد عبد الباقي جبير
هناك شخصيات تاريخية تتجاوز بظلالها حدود الأزمان التي عاشت فيها، لتصبح مقياساً تُقاس به عصور كاملة، ومعياراً يُحاكم على أساسه الحاضر والمستقبل. وجمال عبد الناصر واحدٌ من أولئك الرجال؛ الزعيم الذي أخذ على عاتقه حلم أمة من المشرق إلى المغرب، فانكسر على عتبات الهزيمة الكبرى عام 1967، لكنه عاش بما يكفي لبناء “حائط الصد” وإعادة بناء جيش مصر من رماد النكسة، قبل أن يترجل عن صهوة الحياة في خريف عام 1970، تاركاً خلفه رفيق دربه وخليفته أنور السادات ليقطف ثمرة العبور في أكتوبر 1973.
لكن السؤال الذي يظل يؤرق مؤرخي الفكر السياسي، ويشعل مخيلة الملايين من أبناء الأمة العربية هو: ماذا لو لم يرحل عبد الناصر في ذلك الخريف؟ ماذا لو امتد به العمر ليكون هو القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية وهو يعبر قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل الافتراضي لا تتطلب منا مجرد نسج سيناريوهات رومانسية، بل تستوجب تشريحاً عميقاً لمنهجية الرجل الاستراتيجية، وطبيعة مشروعه القومي، والفرق الجذري بين عقيدته السياسية وعقيدة من جاءوا بعده.
أولاً: استراتيجية “التحرير الشامل” مقابل “التحريك المحدود”
الفرق الأكبر بين ناصر والسادات يكمن في الفلسفة الكامنة خلف الحرب نفسها. فالسادات، ببراغماتيته المعهودة، أراد حرباً “محض تحريك” للموقف السياسي، صراعاً محدوداً ومحسوباً بدقة يكسر الجمود العسكري ليجلس على طاولة المفاوضات لاحقاً تحت مظلة الوساطة الأمريكية، وصولاً إلى اتفاقيات السلام المنفردة (كامب ديفيد).
أما جمال عبد الناصر، فكان ينظر إلى المعركة بمنظور التحرير الشامل والقومي، لا مجرد استرداد تراب سيناء قطرياً. بالنسبة لناصر، لم تكن إسرائيل مجرد دولة احتلال عسكري زالت بحدود جغرافية، بل كانت قاعدة متقدمة للإمبريالية العالمية تستهدف كسر إرادة المشروع العربي بأكمله. لو كان نصر أكتوبر بقيادة عبد الناصر، لما توقفت الدبابات عند الثغرة أو اكتفت بتحقيق مكاسب تكتيكية على الضفة الشرقية. كان ناصر سيخطط لحرب استنزاف كبرى تتوج بضربة استراتيجية تقوض أركان الكيان الصيوني من أساسه، أو على الأقل تُجبر القوى العظمى على إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية برمتها، لا فصلها عن الجسد العربي العربي.
ثانياً: العمق العربي وجبهة الشرق.. أين كانت ستكون الجيوش العربية؟
أحد أهم أسرار حرب أكتوبر الحقيقية هو التنسيق المصري-السوري الذي قاده السادات وحافظ الأسد. لكن في عهد عبد الناصر، كان “العمق العربي” حقيقة مؤسسية لا مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات.
لو قاد عبد الناصر حرب 1973، لكانت الجبهة الشرقية (الأردن والعراق وسوريا وفصائل المقاومة الفلسطينية) مشغولة بمدار استراتيجي محكم وموحد تماماً. ناصر هو من أسس لمؤتمرات القمة العربية وهو من فرض معادلة “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”. لم يكن ليتصور حرباً تحارب فيها مصر وحدها أو بمعزل عن طاقات الأمة الاقتصادية والسياسية. كانت أموال النفط العربي ستُوظف كـ “سلاح استراتيجي” لا مجرد دعم مالي عابر، وكان السلاح النفطي سيُستخدم بلا تردد لكسر شوكة الحلفاء الغربيين لإسرائيل منذ اللحظة الأولى للعبور، وليس كأداة ضغط متأخرة ومحدودة.
ثالثاً: العلاقة بالمعسكرين.. الرفض المطلق للتبعية لواشنطن
من أكبر التحولات التي شهدتها مصر بعد رحيل عبد الناصر هو الانعطاف الجذري نحو المعسكر الغربي، والخروج التدريجي من عباءة الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى الارتباط الاستراتيجي بالولايات المتحدة الأمريكية.
لو بقي ناصر حياً وقاد النصر، لظل وفيّاً لمعادلة “الاستقلال الوطني والتحرر من الهيمنة”. صحيح أنه عانى الأمرين من تعنت السوفيت وتأخرهم في تزويد مصر بالأسلحة الهجومية المتقدمة قبل 1967، لكنه ظل يرى في الامبريالية الأمريكية العدو الأول لطموحات التحرر في العالم الثالث. نصر أكتوبر تحت قيادة ناصر لم يكن ليُستثمر أمريكياً. لم يكن ليسمح لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بأن يتحول إلى “مهندس للسلام في المنطقة” يدير المفاوضات على طريقته. كان ناصر سيتعامل مع النصر العسكري باعتباره نقطة انطلاق جديدة لتحالفات أممية تقود دول عدم الانحياز، لا ورقة تنازل لتسليم مفاتيح القرار المصري لـ البيت الأبيض وصندوق النقد الدولي.
رابعاً: البعد الاجتماعي والاقتصادي.. حرب بلا تجويف للطبقات الفقيرة
في عهد السادات، تزامنت حرب أكتوبر مع بداية سياسات “الانفتاح الاقتصادي” العشوائي، والتي أفرزت طبقات جديدة من طفيليي الثروة، وأدت لاحقاً إلى انتفاضة الخبز عام 1977، وبداية تفكيك الدولة الاجتماعية التي بناها ناصر للفقراء والعمال والفلاحين.
عبد الناصر، الذي كان ينظر للجيش باعتباره حامياً لمشروع العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية، لم يكن ليسمح بأن تدفع الطبقات الشعبية التي قدمت أبناءها على الجبهة ثمن الحرب وحدها، بينما يغتني تجار الحرب. كانت حرب أكتوبر بالنسبة لناصر جزءاً من عملية بناء “الإنسان المصري” الذي يتمتع بالكرامة والتعليم والعدالة، لا مجرد مواطن يصفق لانتصار عسكري بينما تلتهمه غلاء الأسعار وشروط المؤسسات المالية الدولية.
خامساً: مصير القضية الفلسطينية.. الجرح الذي لا يُغلق
ولعل الفرق الأوضح والأكثر دراماتيكية يكمن في مخرجات الحرب السياسية تجاه القضية الفلسطينية. السادات استخدم حرب أكتوبر محطة للوصول إلى معاهدة سلام ثنائية أخرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي وأدت لاحقاً إلى توقيع اتفاقيات أوسلو وتهميش القضية الفلسطينية لعقود.
أما عبد الناصر، فكانت فلسطين بالنسبة له هي البوصلة والجوهر. لو حقق ناصر نصر أكتوبر، لما تحولت سيناء إلى ورقة تفاوض بمعزل عن الضفة الغربية والقدس وغزة وحق العودة. كان النصر سيكون “منصة تحرير إقليمية” تُعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وتمنح منظمة التحرير الفلسطينية وزناً استراتيجياً هائلاً، لا أن تُترك لتواجه مصيرها وحيدة في مدريد أو أوسلو.
إن افتراض وجود جمال عبد ساعة العبور ليس مجرد حنين عاطفي لماضٍ ذهبي، بل هو محاولة لفهم الج2ر العيق الذي خلفه غيابه. لو قاد عبد الناصر نصر أكتوبر، لتغير وجه الشرق الأوسط بأكمله؛ فلربما ما كنا شهدنا حالة التشرذم العربي الراهن، ولما تجرأ الاحتلال على إعادة رسم خريطة المنطقة بهذا الصلف والدموية اليوم.
راح ناصر قبل أن يرى جنده يططئون خطوط بارليف، لكنه ترك لهم السلاح في أيديهم والعزة في قلوبهم. وحين عبروا في أكتوبر، عبروا بالروح التي بثها فيهم طوال عقدين من الزمن، حتى وإن اختلفت بوصلة من قادهم بعده. وبقي السؤال المعلق في ذمة التاريخ: ما كان أعدل العالم وما كان أوسع أفق الأمة لو أن الرجل الذي حلم بالاستقلال التام، عاش ليشهد يوم عزه الأكبر؟



إرسال التعليق