الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.. قراءة تحليلية في القاعدة الفقهية الجنائية
الدكتور بن حريد نذير
تعتبر قواعد الإثبات الجنائي الحصن الأخير لحماية حريات الأفراد وضمان عدم إدانة بريء. وفي صدارة هذه القواعد تتربع القاعدة الأصولية والفقهية الشهيرة: “الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال”.
هذه القاعدة ليست مجرد شعار بلاغي نظري يزين كتب الفقه الإسلامي أو مدونات الإجراءات الجنائية الحديثة، بل هي معيار فلسفي وقانوني دقيق يحكم عملية الاستنباط القضائي، ويضع حداً فاصلاً بين اليقين القضائي المبرر للإدانة، وبين الشك الذي يفسر دائماً لصالح المتهم.
فما هي التجليات القانونية والفلسفية لهذه القاعدة؟ وكيف يتعامل القاضي الجنائي مع أدلة الإثبات حين يزورها شبح الاحتمال؟
أولاً: المضمون الفلسفي للقاعدة.. بين اليقين والاحتمال
تقوم المحاكمة الجنائية برمتها على البحث عن الحقيقة المادية لا الحقيقة الرسمية أو الشكلية. ولكي يرتقي الدليل الجنائي (سواء كان شهادة، أو خبرة فنية، أو قرينة مادية) إلى مرتبة الحجة القاطعة التي يجوز بناء الإدانة عليها، يجب أن يتمتع بدرجة عالية من القطعية والوضوح.
فإذا دخل “الاحتمال” إلى دائرة الدليل—بمعنى أن الواقعة أو الدليل يحتمل أكثر من تفسير، أو يحتمل الصحة والبطلان، أو يحتمل نسبته إلى المتهم وغيره بنفس الدرجة—فإن هذا الدليل يفقد قيمته القانونية في الإثبات. في الفقه الجنائي، الشك يفسر لمصلحة المتهم، والاحتمال يفسد صلاحية الدليل لأن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين.
ثانياً: تطبيقات القاعدة في أدلة الإثبات الجنائي
تتجلى هذه القاعدة بوضوح تام عند تمحيص أدلة الإثبات أمام القضاء الجنائي:
- في شهادة الشهود: إذا شهد شاهد برؤية المتهم في مسرح الجريمة، لكن شهادته تخللتها شبهة ظلام دامس، أو ضعف في البصر، أو مسافة بعيدة تجعل التعرف على الأشخاص محتملاً وليس جازماً (احتمال الخطأ في التعرّف)، هنا يتطرق الاحتمال إلى الشهادة، فيبطل الاستدلال بها كدليل إدانة قاطع.
- في تقارير الخبرة الفنية (البصمات والأ DNA): التقارير الفنية غالباً ما تكون حاسمة، لكن إن شابها أي غموض أو احتمال لتلوث العينة أو تشابه البصمات بطريقة لا تفيد القطع واللزوم، فإن القاضي ملزم بطرحها جانباً؛ لأن الاحتمال يسقط عنها صفة الدليل الدامغ.
- في القرائن القضائية: القرينة المبنية على الاحتمالات وحدها لا تكفي لإدانة متهم. فوجود شخص قرب مكان الجريمة قد يكون دليلاً للشبهة (التحقيق)، لكنه لا يصلح دليلاً للإدانة طالما احتمل وجود أسباب أخرى بريئة لتواجده هناك.
ثالثاً: ضوابط السلطة التقديرية للقاضي الجنائي
قد يتبادر إلى الذهن أن هذه القاعدة تقيد حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته. غير أن الأمر على العكس تماماً؛ فالقاضي وإن كان يمتلك سلطة تقديرية واسعة في وزن الأدلة، إلا أن هذه السلطة مقيدة بـ “منطقية الاستدلال وسلاسته”.
حين يستند القاضي إلى دليل شابته الاحتمالات المرجوحة، فإن حكمه يصبح عرضة للطعن بالنقض لقصور التسبيب أو فساد الاستدلال. فالقانون لا يطالب القاضي بالوصول إلى اليقين المطلق الذي يلامس المستحيل، بل يطالبه باليقين القضائي المبني على جزم يقيني مدعم بأدلة مطمئنة، لا تقبل تفسيرات متناقضة متساوية القوة.
ختاماً
إن قاعدة “الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال” تظل الصمام الأمان الأهم في وجه التعسف القضائي. إنها تذكرنا دائماً بأن إدانة بريء واحد خطأ فادح يهز أركان العدالة، أهون بكثير من الإبحار في ظلمات الاحتمالات لبناء أحكام قد تظلم الإنسان وتنتهك حرمة حريته. فالتطهر من الشك هو شرط العدالة الأول، واليقين هو قارب النجاة الوحيد في منصة القضاء.



إرسال التعليق