مذكرات ضابط شرطة في الريف…مواجهة على خط النار

جميل مرتضى

الحلقة الرابعة: مواجهة على خط النار

تسللت دماء الفجر الباردة لتصبغ زجاج النافذة الحجرية بلون أحمر قانٍ. في الخارج، كان صهيل المشاعل وصراخ الرجال المعبئين بالشحن الطائفي والوجاهي يملأ الساحة. وقف “أبو رشيد” في مقدمة الجمع، تحيط به أسلحة الصيد ووجوه صلبة أُقنعت بأن الثأر لدماء الشيخ عبد القادر يمر عبر جثة “خليل”.

وقف الدركي “حليم” بجانبي، يلقم بندقيته الألمانية بفرائص متعرقة ونبرة يأس: — “حضرة الملازم.. عددهم يزيد عن خمسين رجلاً، والسرايا في طرابلس تحتاج ساعات لتصل! لن ننسحب حيين إن اقتحموا السور!”

التفتُّ نحو الزنزانة الحجرية. كان “خليل” يجلس ساكناً، ينظر إلى قيد يديه بلا خوف، بل بإشفاق على ضيعة يُساق ناسها كالقطعان خلف من يملك المال والنفوذ.

سحبتُ معطفي العسكري، أصلحتُ شريط بزتي الدبوسية، ووضعتُ يدي على قبضة مسدسي الـ “ويبلي”. لم أكن أحمي مجرد متهم في زنزانة، بل كنت أحمي الحد الفاصل بين “دولة القانون” التي نحلم ببنائها، وبين “قانون العشيرة” الذي يقتطع أحكامه من صدور الأبرياء.

فتحتُ باب المخفر الثقيل وخطوتُ إلى الدرج الحجري بثبات، ليتراجع الصخب فجأة إلى همهمات متوجسة.

صحتُ بنبرة حازمة هزت أركان الساحة: — “أبو رشيد! المختار أبو أسعد! الشارع ليس محكمة، وهذا المخفر يحمل علم الدولة ومسؤوليتها. أي خطوة إلى الأمام هي اعتداء على القانون وعقوبتها الإعدام فوراً!”

تقدم أبو رشيد خطوة، وابتسامة ثقة خبيثة ترتسم على وجهه المضيء بضوء المشاعل: — “أي قانون يا حضرة الضابط؟ الدولة في بيروت تحزم حقائبها والانتداب يلملم أوراقه! الجبل هنا يحكمه عرفه، وهذا الفتى قتل شيخ الضيعة بدم بارد ودم الشيخ لن يضيع بين محاكم العاصمة وأوراقها!”

تعالت الأصوات المؤيدة خلفه، وشُحنت البنادق في حركة جماعية مرعبة.

صحتُ بصلابة وأنا أصوّب نظري نحو أهالي الضيعة البسطاء: — “الشيخ عبد القادر لم يقتله خليل! الشيخ قُتل بقاطِعٍ من سكين، والأثر الوحيد على الأرض كان حذاءً بكعب مقطوع استعاره أبو رشيد نفسه قبل الجريمة بيومين! الشيخ قُتل لأنه رفض أن تُباع أسلحة مغارة وادي الصفا لقطاع الطرق لحساب تجار الدم!”

عمّ سكونٌ مفاجئ في الساحة، والتفت المختار “أبو أسعد” بنظرة حادة نحو أثر حذاء أبي رشيد المزين بالفضة، ثم حوّل بصره إليّ بذعر: — “ماذا تقول يا ضابط؟ أسلحة في وادي الصفا؟”

ارتبك أبو رشيد، وسرعان ما تحولت سيطرته إلى ذعر أعمى، فسحب من تحت عباءته مسدساً فرنسياً صغيراً وصوّبه نحو صدري صارخاً: “إياكم أن تصدقوا هذا الغريب! إنه يحمي القاتل!”

وقبل أن يرتد طرفه، قُطع الليل بصوت إطلاق نار حاد!

لم تكن رصاصتي، بل كانت رصاصة اخترقت كتف أبي رشيد ليسقط مسدسه على الحجارة وهو يصرخ متألماً. التفت الجميع نحو الشارع الملتوي المؤدي للضيعة، لتظهر أضواء شاحنتين عسكريتين تابعتين لفرقة الفرسان (الخيالة) للشرطة القضائية، تتقدمهما سيارة جيب يترجل منها المفتش الإداري بنفسه!

كان الدركي “حليم” قد أرسل الفتى الراعي بالسر عبر الوديان الخلفية مع ساعات الليل الأولى، حاملاً رسالتي المشفرة لقيادة المنطقة.

خلال دقائق، طُوقت الساحة وتشتت المسلحون. اقتيد أبو رشيد مكبلاً بالحديد، بينما استُخرجت الصناديق الخشبية من مغارة وادي الصفا أمام أعين الأهالي الذين أدركوا حجم التضليل الذي عاشوا فيه.

في المساء، وأنا أنفض غبار المعركة عن مكتبي، دخل المختار “أبو أسعد”. وضع عصاه جانباً، وجلس أمامي بهدوء، ثم أخرج من جيبه سراج الشيخ عبد القادر المكسور ووضعه على طاولتي.

قال المختار بنبرة هادئة تحمل اعترافاً ضمنياً بالهزيمة والاحترام: — “كنتُ أظن أن الجبل أقوى من ورقكم يا حضرة الملازم.. لكنني نسيت أن العدل حين يحميه رجلٌ صادق، يصبح أصلب من صخر هذه الجبال.”

ابتسمتُ بجهد، ورفعت القلم، لأكتب في دفتري السطر الأخير من قضايا “عين التوت”: “الريف لا يكره القانون.. إنه فقط ينتظر من يحميه بحزم وضمير، دون أن يبيعه في سوق المنافع.”

أغلقتُ الدفتر الأول، وضعتُه في الحقيبة الجلدية، وأنا أعلم أن قطار الاستقلال القادم سيتطلب مئات المذكرات الشبيهة لتستقيم أرض هذا الوطن.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك