عقيدةُ “الصفقة”: كيف أدارَ ترامب كوكب الأرض بمنطقِ سوقِ الخُضار؟

عبد الرحمن إبراهيمي

في التاريخ الحديث، تتابع على حكم البيت الأبيض رؤساءُ يمثلون مدارس فكرية شتى؛ منهم المجدّد، ومنهم المحافظ، ومنهم من قاد بلاده بعقيدة “الملائكية الأخلاقية” التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع. ثم جاء دونالد ترامب! رجلٌ قرر بلمسة واحدة أن يمسح كل هذا التعقيد الدبلوماسي، ويحلّ محله قانوناً واحداً بسيطاً ومباشراً: “كم تدفع؟ وكم سآخذ؟”

مع ترامب، لم تعد السياسة الدولية تُدار في الصالونات المغلقة عبر دبلوماسيين يرتدون أطقمًا فاخرة ويتحدثون بلغة المصطلحات المبهمة. بل تحولت بقدرة قادر إلى شاشة “تويتر” (X حالياً)، يستيقظ فيها فخامته في الثالثة صباحاً برداء النوم، ليعلن فرض رسوم جمركية على دولة ما لأن رئيسها لم يبتسم له في الصورة التذكارية، أو ليرسل تهديداً بقطع المعونات لأن العجز التجاري لا يعجبه!

تكمن العبقرية الساخرة في ظاهرة ترامب في أنه أزال “المساحيق التجميلية” عن وجه السياسة الغربية؛ فلم يعد هناك داعٍ لادعاء نشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان. الرجل كان واضحاً ومريحاً للجميع: “أنا تاجر عقارات، والكرة الأرضية مجرد مجمع سكني ضخم يحتاج إلى إعادة تقييم للإيجارات!”.

حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟ مجرد شركة حراسة خاصة لا تدفع دولها الاشتراكات في وقتها! الشرق الأوسط؟ سوق مفتوح للصفقات السريعة وتوقيع العقود! الاتفاقيات المناخية؟ ترفٌ يعطل حركة البناء والشركات!

وحتى على المستوى الشخصي، أعاد ترامب تعريف مفهوم “الرئاسة”؛ فالشعر الذهبي الذي يتحدى قوانين الجاذبية، والنظرة الصارمة الصالحة لبوسترات المصارعة الحرة، والخطابات التي تخلو من أي تحليلات معقدة وتكتفي بكلمات مثل “ضخم، ممتاز، كارثي، لئيم”، جعلت من النشرة الإخبارية اليومية عرضاً كوميدياً مشوقاً يتفوق على أعتى مسلسلات هوليوود.

الجميل في الأمر أن ترامب أثبت للعالم أن الإدارة لا تحتاج إلى شهادات دكتوراه في العلوم السياسية، بل تحتاج فقط إلى جرأة في رفع الصوت، وزرٍّ ذهبي يتناول به مشروبه المفضل، وقدرة هائلة على إقناع الجميع بأن أي هزيمة هي في الحقيقة “انتصار تاريخي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية”!

قد تتفق معه أو تختلف، لكنك بالتأكيد لا يمكن أن تتجاهله. لقد جعل العالم يتنفس الصعداء… ليس بسبب السلام، بل لأن العرض الاستعراضي كان ممتعاً للغاية، ولو كان على حساب أعصاب المليارات!

عبد الرحمن إبراهيمي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك