3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات (الحلقة 3 )

بقلم: الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

كسر الإيقاع الحسي واللعب على حافة الانهيار

مع بزوغ شمس اليوم الثاني فوق أسطح سايغون، كان “نجوين” قد فقد أي صلة بالتوقيت أو بالخارج. في دهاليز المخابرات الفرنسية، لا توجد نوافذ، ولا توجد ساعات حائطية، ولا يتغير ليلة المكان عن نهاره. كانت تلك الاستراتيجية تُعرف في أدبيات “المكتب الثاني” بـ “التجريد الحسي والإرباك الزمني”، حيث يُحرم المعتقل من كل المؤشرات الطبيعية التي يعتمد عليها العقل البشري للحفاظ على توازنه.

في هذه الجولة، تبدّل المشهد. دخل إلى الغرفة ضابط آخر إلى جانب النقيب “دوبوا”؛ ملازمٌ يدعى “لاروش”، تميز بنبرة حادة ووجهٍ خالي من أي تعابير إنسانية. أُحضر كرسيٌّ خشبي مرتفع، وأُجبر نجوين على الجلوس عليه دون الاستناد إلى أي شيء، مع تسليط كشاف ضوئي ذي إضاءة بيضاء مبهرة تسببت في حرقٍ حدقي موقت لا يستطيع معه إغلاق عينيه.

بدأ لاروش يلعب دور “المحقق الشرس”، بينما أبقى دوبوا على دور “المحقق العقلاني”؛ التكتيك الكلاسيكي الشهير (Good Cop, Bad Cop) ولكن بنسخته الاستعمارية القاسية.

صرخ لاروش وهو يضرب الطاولة بقبضته: “لقد انتهى وقت الألاعيب يا نجوين! الكتيبة الثامنة تتقدم الآن في الغابة، وصمتك لن ينفع رفاقك. اعترف بالمسارات وشبكة الإمداد فوراً، وإلا ستغادر هذه الغرفة إلى المقبرة الجماعية خلف الثكنة!”

في المقابل، تدخل دوبوا بصوت خفيض ولهجة إشفاق مزيفة: “لاروش، اهدأ قليلاً.. نجوين رجلٌ عاقل ويريد حماية أسرته. انظر إليه، إنه مجرد مزارع ورطته الظروف. قل لي يا نجوين، هل تستحق الفيت مينه أن تضحي بأولادك من أجلها؟”

كانت هذه المواجهة المزدوجة تستهدف استنزاف ما تبقى من قدرة نجوين على التركيز. الصراخ يرفع نسبة الأدرينالين والخوف إلى الحدو المرتفعة، يليها الصوت الدافئ الذي يمنح الأمل الزائف بالنجاة، مما يدفع الضحية إلى رغبة جارفة في “التفريغ النفسي” والحديث لمجرد إنهاء الشد العصبي المتواصل.

لكن نجوين، رغم جسده المنهمك وثقل جفنيه، أدرك الفخ الداخلي. كان يعلم أن أي إجابة تفصيلية تتعدى حدود “الجهل المطلق” ستفتح باباً من الأسئلة المتشعبة التي لا تنتهي.

أغمض عينيه قسراً وسط الإضاءة الحارقة، ولم ينطق سوى بكلماتٍ بطيئة تخرج من بين شفتيه المشققتين: “إذا كانت الكتيبة هناك.. فما حاجتكم لشهادة مزارع أعمى لا يرى سوى طين حروثه؟”

ساد الصمت الغرفة مجدداً. نظر لاروش إلى دوبوا بنفاذ صبر، وتبادلا إيماءة خاطفة. تبين للضباط أن هذا الفلاح البسيط يملك “صلابة صامتة” تتكسر عليها أساليب الترهيب والترغيب العادية.

أومأ دوبوا للحراس، لتنتقل العملية من نطاق الحرب النفسية إلى بداية تطبيق أساليب الضغط الفيزيائي المباشر، تمهيداً للجولة الأشد قسوة في اليوم الثالث.

الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك