حنين إلى الماضي أم صدمة الحاضر؟ قراءة في أسباب اشتياق المصريين لعهد حسني مبارك
الكاتبة: أنوار عبد العظيم
حين اندلعت ثورة يناير في مصر عام 2011، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين، يحذوهم الأمل في الغد، ويهتفون بسقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، طامحين في حرية أوسع، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية مفقودة. غير أن عجلة التاريخ لا تحصي الأماني بل تحصي النتائج. فبعد مرور عقد ونيف من الزمان، وفي خضم تحولات اقتصادية قاسية وضغوط معيشية خانقة، بات المتابع للشأن المصري يلحظ ظاهرة لافتة للنظر، تتكرر في المجالس العامة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي تعليقات البسطاء والنخب على حد سواء: حنين جارف ومفاجئ لسنوات عهد حسني مبارك، وتساؤلات مريرة: “لماذا يبكي المصريون اليوم على أيامه؟”.
الإجابة عن هذا السؤال الشائك لا تعني بالضرورة براءة مطلقة لتلك الحقبة، ولا إنكاراً لعيوبها الهيكلية الكبرى التي أدت إلى سقوطها، بل تتطلب تشريحاً موضوعياً للواقع النفسي، والاقتصادي، والاجتماعي للمواطن المصري بين الأمس واليوم.
أولاً: الصدمة الاقتصادية وانهيار القوة الشرائية
السبب الأبرز والأكثر حساسية وضوحاً خلف هذا الحنين المفاجئ هو “الاقتصاد وجيب المواطن”.
- فمهما وُجهت انتقادات لعهد مبارك بشأن تفشي الفساد وتمركز الثروة في أيدي طبقة محددة من رجال الأعمال (وهي مآخذ حقيقية)، إلا أن الاستقرار النقدي وقيمة الجنيه المصري كانت في وضع لا يُقارن بالواقع الحالي.
- كان المواطن البسيط قادراً على تدبير أمور حياته اليومية، وتأمين السلع الأساسية، وإيجاد مسكن، وتغطية نفقات الصحة والتعليم بحد مقبول من التوازن دون أن يلتهم التضخم الهائل مدخراته ودخله شهراً بعد شهر.
اليوم، ومع تتابع موجات تعويم العملة، الارتفاع الجنوني لأسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية للطبقتين الوسطى والدنيا، يترحم الكثيرون على تلك الأيام التي كان فيها “الجنيه له قيمة”، وكانت الأسعار مستقرة نسبياً لعقود طويلة. يتحول الاستقرار المعيشي هنا في وجدان البسيط إلى “نعمة” يدرك قيمتها الحقيقية فقط حين يفقدها.
ثانياً: وهم الفوضى الأمنية وبديل “الدولة الرخوة”
شهدت سنوات ما بعد 2011 في مصر والمنطقة العربية مخاضات أمنية مرعبة، وفوضى عارمة، وحروباً أهلية طحنت دولاً مجاورة (مثل ليبيا وسوريا). في تلك اللحظات الحرجة، تذكر المصريون مقولة طالما ترددت في عهد مبارك تحذيراً من البديل: “إما نحن.. وإما الفوضى”.
وحين قارن الشارع بين الأمان النسبي والاستقرار السياسي الذي عاشه تحت مظلة دولة المؤسسات البيروقراطية في عهد مبارك (رغم جمدوها السياسي)، وبين شبح الانهيار ومخاطر تفكك الدولة، بدأ يترسخ شعور بأن ثقل الأمن واستتباب الشارع كان ثمناً مقنعاً مقارنة بالجحيم الذي شاهدته عيونهم في الإقليم. لقد أصبح “الأمان اليومي” في الوعي الجمعي أولوية مطلقة تتقدم أحياناً على سقف الحريات السياسية.
ثالثاً: سيكولوجية الحنين (النوستالجيا) وتجميل الماضي
الذاكرة الإنسانية بطبيعتها تميل إلى التخفيف من وطأة الآلام القديمة وتضخيم محاسن الماضي عندما يصبح الحاضر قاسياً ومؤلماً. الجيل الذي يترحم على أيام مبارك اليوم، إما أنه نسي أو تناسى أسباب ثورة يناير الحقيقية: الشعور بالاختناق السياسي، تزوير الانتخابات، توريث الحكم، تراجع دور مصر الإقليمي، وحالات القهر والاعتقال البيروقراطي.
لكن حين يواجه ذات المواطن أعباء معيشية مضاعفة اليوم، تصبح تفاصيل الماضي أقل قسوة بمقارنتها بمرارة اللحظة الراهنة. تتحول الذاكرة إلى مرشح انتقائي، لا يرى من عهد مبارك سوى “الهدوء النسبي، رخص الأسعار، وبساطة الحياة”.
رابعاً: البيروقراطية الرخوة مقابل صرامة الدولة الحديثة
مفارقة أخرى يلاحظها الباحثون؛ ففي عهد حسني مبارك، كانت الدولة تُوصف مراراً بـ “الدولة البيروقراطية الرخوة” أو البطيئة، حيث كان بإمكان المواطن التحرك، والتنفس، والاعتراض المحدود، بل وحتى التهرب من بعض الضرائب أو القيود الإدارية بطرق ملتوية.
أما اليوم، ومع التحديث الرقمي الهائل، والقبضة التنظيمية الصارمة، وفرض الضرائب والرسوم على كل شاردة وواردة، يشعر المواطن بأن الدولة باتت تحاصر تفاصيل حياته اليومية بشكل غير مسبوق. هذا التحول من “البيروقراطية المرتخية” إلى “الدولة الحاسمة والمنظمة” يولد لدى البعض شعوراً بالحنين إلى مساحات التنفس القديمة.
خامساً: هل هو حب لمبارك.. أم رفض للغلاء؟
من الإنصاف بمكان التأكيد على أن بكاء المصريين اليوم ليس بالضرورة حباً شخصياً للرئيس الراحل حسني مبارك، ولا رغبة في عودة أشخاصه، بل هو “تصويت عقابي رمزي” للواقع الاقتصادي والمعيشي الراهن.
إنه تعبير عن خيبة أمل عميقة تجاه الوعود الكبرى التي رافقت التغييرات السياسية المتعاقبة؛ فالإنسان البسيط لا يعنيه كثيراً من يحكم، بقدر ما يعنيه أن يجد رغيف خبز كريم، ودخلاً يستر أسرته، ومستقبلاً آمناً لأبنائه. وحين تتعثر هذه البشريات الأساسية، يصبح الماضي الجميل—حتى وإن شابه الفساد—ملاذاً نفسياً للاحتجاج على قسوة الحاضر.
خاتمة: دروس التاريخ المؤلمة
إن ظاهرة الحنين لعهد حسني مبارك في مصر ليست مجرد حنين عابر، بل هي رسالة إنذار عميقة لكل الأنظمة السياسية مفادها أن: الشعوب لا تمنح صكوك ولاء دائم، وأن شرعية أي حكم تُقاس أولاً بقدرته على حفظ كرامة الإنسان الاقتصادية والمعيشية قبل أي شيء آخر.
فالتاريخ لا يعتذر، والأمم لا تعود للوراء أبداً، بل تستخلص العبر لتعلم أن بناء الأوطان الحقيقية لا يتحقق إلا بتحقيق معادلة صعبة تجمع بين العدالة الاجتماعية، والرفاه الاقتصادي، والكرامة الإنسانية المستدامة.



إرسال التعليق