قراءة عسكرية في تهديدات سموتريتش وسيكولوجية الرعب الإسرائيلي

العميد عبد اللطيف نواس بلجي

في قواميس الفن العسكري والعقيدة الاستراتيجية، تُقاس تصريحات الساسة والقادة العسكريين بموازين دقيقة تعكس الواقع الميداني لا الأحلام الشعبوية. وحين يخرج وزير متطرف في حكومة الاحتلال مثل بتسلئيل سموتريتش ليهدد مصر بجملة فضفاضة كقوله: “إذا هاجمتنا مصر فلن تكون هناك سيناء”، فقد يسارع البعض إلى قراءة هذه الكلمات باعتبارها استعراضاً للقوة أو تهديداً عابراً. غير أن القراءة الاستراتيجية المتعمقة، التي تتجاوز قشور الخطاب الإعلامي إلى عمق البنية النفسية والمادية للكيان الصوسياسسي، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً: إننا أمام صراخ شخص مرتعب، وعنتريات فارغة تعكس في جوهرها حالة الهلع الوجودي والضعف البنيوي الذي يعاني منه الكيان وجيشه في هذه المرحلة المفصلية.

أولاً: تشابه الأنماط السلوكية.. استعراض الضعف الكامن

حين يدرس المحللون العسكريون سلوك النخب المتطرفة في كيان الاحتلال، قد يُفاجئ البعض بوجود تشابهات لافتة مع خطابات “العنتريات العربية القديمة” التي سادت في حقب سابقة قبل تراجع العمل العسكري الاستراتيجي المنسق؛ حيث يُعوض الخطاب الهجومي المرتفع الصوتي عجزاً بنيوياً مستحكماً على الأرض. إن تصريحات سموتريتش ليست دليلاً على اقتدار عسكري، بل هي انعكاس لحالة الاستنزاف والتآكل الحقيقي التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي. هذا الجيش، الذي تورط على مدار سنوات في جبهات متعددة واستنزف طاقاته وقدراته، بات بالكاد يملك القدرة على التقاط أنفاسه وسط أزمات داخلية وتصدعات عميقة في عقيدته القتالية التقليدية القائمة على “الحروب الخاطفة والسريعة”.

ثانياً: كابوس الجبهة البرية الاستنزافية ورعب سيناء

إن الرعب الأكبر الذي يؤرق مضاجع المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية لا يتعلق بالحروب التكنولوجية البعيدة أو الضربات المحدودة، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “الجبهات البرية الخارجة عن السيطرة”. وتكتسب الجبهة المصرية في هذا السياق حساسية استراتيجية قصوى، لعدة اعتبارات عسكرية بحتة:

  1. فقدان السيطرة الاستخباراتية المطلقة: يرتعب الكيان من أي جبهة يعجز فيها عن الوصول المبكر إلى “المقتل” لدى الخصم، أو تلك التي تتجاوز قدراته الاستخباراتية التقليدية على التحجيم والتوقع.
  2. الكتلة البشرية الهائلة وحروب الاستنزاف: إسرائيل كيان صغير ذات عمق جغرافي معدوم، وهي تعجز كلياً عن مجاراة دولة بحجم مصر وتكتلها السكاني الضخم في حرب برية طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف. فمهما بلغت دقة التسلح التفوقي، فإن المعارك البرية الكبرى تحسمها الكتلة الحية والصمود الاستراتيجي والقدرة على ابتلاع الضربات والرد عليها.
  3. وهن الردع التقليدي: طالما تحسست المؤسسة الأمنية الإسرائيلية خطواتها بدقة مفرطة على الحدود المصرية طيلة العقود الماضية، مدركة تماماً أن إيقاظ هذا العمق الاستراتيجي يعني بالضرورة دخول المعركة مرحلة اللاعودة للكيان.

ثالثاً: سذاجة اليمين الحاكم.. آفة الانهيار الذاتي

إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن في قوة الكيان، بل في طبيعة قيادته السياسية الحالية. إن اليمين الحاكم والمتطرف في إسرائيل يتسم بالساذجة والتهور، ويفتقر كلياً إلى الفهم العميق لطبيعة الشعوب المجاورة، وتحديداً الشخصية الاستراتيجية والعسكرية المصرية التي تدرك تماماً متى تتحرك وكيف تفرض قواعد الح,رب والسل,ام. مثل هذه القيادات الطائشة، حين تعجز عن تحقيق نصر حقيقي على الأرض، تلجأ إلى إطلاق التهديد الفارغ لترميم معنويات جبهتها الداخلية المتصدعة، غير مبالية بأنها تدفع كيانها بخطى ثابتة نحو فخ الهاوية.

خاتمة

إن تصريحات سموتريتش وأمثاله ليست سوى فقاعات صابون تنافسية في سوق المزايدات السياسية الداخلية، تُخفي خلفها جيشاً متعباً، وكياناً مرعوباً يدرك جيداً تداعيات اصطدامه بأي قوة برية استراتيجية كبرى. التاريخ العسكري يعلمنا أن من يصرخ كثيراً هو من يخشى المواجهة حقاً؛ وما نراه اليوم ليس إلا فصولاً جديدة من تهاوي أسطورة الردع المطلق أمام صلابة الجغرافيا والتاريخ.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك