اليمن … التحليل الميداني لمعركة تعز والساحل الغربي
بقلم: اللواء متقاعد عبد الباقي جبير
في إدارة الصراعات المسلحة والحروب المركبة، لا يُقاس الموقف الميداني بردود الفعل الآنية أو البيانات الإعلامية المتعجلة، بل يُقاس بقدرة الجيوش والتشكيلات العسكرية على إدارة الجغرافيا، وقراءة نوايا الخصم، وتوظيف عنصر المفاجأة الاستراتيجية. وما تشهده جبهات محافظة تعز والساحل الغربي اليمني اليوم يمثل نموذجاً معقداً لتداخل العمليات الهجومية والدفاعية؛ حيث تتصارع إرادة كسر الحصار مع استراتيجيات التثبيت والاستنزاف. من هنا تأتي هذه القراءة التحليلية الميدانية لتفكيك طلاسم المشهد العسكري في محاور تعز والساحل، ووضع الأحداث في نصابها المهني والعسكري الصحيح.
أولاً: جبهات تعز الداخلية.. محاولات كسر الحصار وبطء الحركة التكتيكية
تشهد خطوط المواجهة في محيط مدينة تعز هجمات مكثفة تنفذها “قوة دفاع تعز” بهدف رئيسي يتمثل في كسر الحصار المفروض على المدينة منذ سنوات. غير أن القراءة الميدانية لسير المعارك تنطوي على عدة مؤشرات تكتيكية:
- محور جبل حبشي والبيرين: تدور معارك ضارية في عدة محاور وسط تقدم يتسم بـ “البطء الشديد”. عسكرياً، يعود هذا البطء إلى طبيعة الجغرافيا الجبلية الوعرة التي تمنح الطرف المدافع (جماعة صعدة) أفضلية النيران والتحصين، فضلاً عن كثافة الألغام والعبوات الناسفة التي تعيق اندفاع القوات المهاجمة.
- مفرق يفرس وحيفان: التقدم النسبي والبطيء في هذه المحاور (بما فيها حيفان ومفرق يفرس) يعكس رغبة في توسيع نطاق السيطرة وتأمين خطوط الإمداد، إلا أنه يظهر بوضوح أن جماعة صعدة لا تزال تحافظ على صلابة دفاعاتها وتسيطر على أغلب مواقعها الحاكمة في ريف تعز، مما يجعل عملية فك الطوق عن المدينة معركة قاسية وطويلة الأمد.
ثانياً: الخداع الاستراتيجي في الساحل.. كيف تفوقت قوات العمالقة؟
على الجبهة الساحلية، اتسمت التطورات بالسرعة والغموض الميداني المتضارب، إلا أن تتبع مسرح العمليات يكشف عن تكتيك عسكري ناجح قامت به “قوات العمالقة”:
- المناورة والتحتشد الخفي: إن نجاح قوات العمالقة في تحقيق تقدم خاطف شمالاً باتجاه المخا والوصول إلى محيط معسكر خالد، يعود أساساً إلى قدرتها العالية على الحشد السري البطيء خلف المرتفعات وفي الخطوط الخلفية. هذا التكتيك أعمى الرصيد الاستخباراتي للخصم وصعب عملية رصد القوات المتجمعة.
- استراتيجية التمويه والمناوشات: استمرت قوات العمالقة في مشاغبة جماعة صعدة بمناوشات مدروسة، وهو ما أوقع الأخيرة في فخ “خداع التوقع”، حيث انخدعت بمستوى القتال المحدود وركزت قواتها الكبرى وثقلها العسكري في جبهة تعز الداخلية، مما خلق ثغرة استراتيجية استغلتها العمالقة لتحقيق تقدم سريع وخاطف.
- أزمة الإعلان الإعلامي والوضع الميداني: بدا جلياً أن القوات الحكومية تسرعت نسبياً في إعلان تحرير المخا قبل إتمام عمليات التمشيط الكامل وتطهير الجيوب، وهو خطأ إعلامي وتكتيكي غالباً ما يربك الخطط اللاحقة. كما أن الحديث عن ضربات بالصواريخ الباليستية وإن كانت غير مؤكدة، فإنه يعكس المحاولات المستميتة لجماعة صعدة لاستعادة توازنها المفقود عبر هجمات مضادة لإيقاف الاندفاع.
ثالثاً: قراءة في موازين القوى المستقبلية
- هل انهارت جماعة صعدة؟ الميدان العسكري يجيب بـ “لا”. صحيح أن التقدم السريع والمباغت أحدث إختلالاً مؤقتاً في التوازن وأربك خطوط الدفاع، إلا أن الجماعة لم تنسحب انهزامياً، بل تشبثت بالكثير من مواقعها الحصينة في ريف تعز والساحل.
- إشكالية تعز الاستراتيجية: إن محاولة “قوة دفاع تعز” كسر الحصار من الداخل أو عبر الهجوم الخارجي المحدود هو أمر ممكن عسكرياً ولكنه بالغ الصعوبة والتكلفة البشرية والمادية. وكما يُشير التحليل الموضوعي، كان من الأجدى استراتيجياً اعتماد هجمات منسقة واسعة من الخارج نحو ريف تعز لتشتيت جهد المدافع، غير أن الواقع فرض معارك جبهوية معقدة.
إن معركة تعز والساحل الغربي ليست مجرد جولة عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة التشكيلات العسكرية على المناورة وتحمل حرب الاستنزاف. إن الساعات القادمة حاسمة وستكشف ما إذا كانت قوات العمالقة قادرة على استثمار تقدمها السريع وتثبيت نقاط ارتكازها، أم أن جماعة صعدة ستنجح في لم شتات قواها واستعادة زمام المبادرة الميدانية. في الحرب، الغلبة لمن يقرأ الميدان جيداً.. لا لمن يعجل بإعلان النصر قبل حسمه على الأرض.


إرسال التعليق