اخر الاخبار

الذكرى 65 لمعركة قصر ملكية بولاية غرداية 06 أكتوبر 1961 –

من تاريخ ثورتنا المظفرة المجيد. معركة قصر مليكة العليا بولاية غرداية وأبطالها الأشاوس ومآثرهم الخالدة بمحطة بارزة في تاريخ الكفاح ضد الاستدمار وفي النضال ضد المحتل الغاشم. مسطرين ببطولتهم درساً في التضحية والفداء لقنوه للعدو الفرنسي رغم قلة العتاد والترسانة العسكرية وعدم تكافؤ القوى، ليظل إسم بن طراش بمليكة محفوراً بأحرف من ذهب منقوش في ذاكرة الوطن والشعوب فخر للأجيال, وليبقى الوطن واحدا موحدا صامدا في وجه أعتى القوى الإستدمارية وكل من تسول له نفسه التفكير في المساس بالجزائر وشعبها الحر الأبي.

معركة قصر مليكة لتبث أن المعارك التي خاضها جيش التحرير الوطني في الجنوب الجزائري لم تكن ذات طابع محلي فحسب، بل كانت رسائل سياسية مشفرة واضحة المعالم للعالم بأن ثورة الحرير تغطي كامل التراب الوطني. وبرهنت أن لا شبر من أرض الجزائر بكل ربوعها لا يستثنى من الجهاد.

وجاءت لتفنذ وتكذب تكذيبا قاطعا تصريح تأكيد المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون أن فرنسا بعد 1956 صارت تعتبر الصحراء إقليماً فرنسياً خالصاً. لا يخضع للنقاش في أي مفاوضات، خصوصاً بعد إكتشاف البترول في حاسي مسعود.

ترجع بنا محطات التاريخ مرة أخرى من جديد. بخطوة للورى لتذكرنا بإحياء الذكرى الخامسة 65 والستون، بحدث ملحمة معركة بن طراش مليكة. محطة بارزة في تاريخ المنطقة المحلي بولاية غرداية جنوب الجزائر بالصحراء بالشبكة، ألا وهو حدث معركة قصر مليكة، 6 أكتوبر 1961.

مقدمة‪:

مازال الأقلام تكتب والحبر سيال لسرد وقائع حرب التحرير الوطني وملامحها التي تطرق عديد الإعلاميين والمؤرخين والباحثين إلى الحديث عن حرب الجزائر عامة و تناولت عديد الجرائد والصحف والمراجع والشهادات والندوات والأشرطة الوثائقية والحصص التلفزيونية والأيام الدراسية على غرار خلاف باقي وسائل الإعلام السمعية والبصرية، إلى وقائع هاته الحرب، حفاظا على الوطن و حدته الترابية وإسترجاع سيادته، التي كانت الهدف الأسمى الذي لا يختلف عليه اثنان، والكثير من فصولها كانت الصحراء الجزائرية برمتها مسرحا لأحداث مجرياتها.

معارك ببصمات منقوشة خالدة‪:

معارك تروي تاريخ قصصها عن بسالة وشجاعة أبناء الجزائر بالجنوب عامة وغرداية خاصة، وحرصهم الشديد على موقف تمسكهم بمآثر سلفهم لأجل وحدة التراب وسلامته شعبا وحدودا، ورغم تأكيد تقارير الأحداث المؤرشفة والأبحاث المؤرخة مشاركة أبناء الصحراء ودورهم الفعال في الدعم الإستراتيجي واللوجستيكي المادي والبشري الذي قدموه للثورة عامة ولجيش التحرير الوطني خاصة، والذي يشهد عليه العدو الفرنسي بنفسه بعدما ما أوقعته بطولاتهم في فخ أطماعه التوسعية عامة ومحاولة تقسيم الجزائر وفصل الصحراء عنها، لكن سرعان ما أنقلب السحر على الساحر وتفطن أبناء الصحراء للمخطط الإستدماري التوسعي الذي قوبل بمقاومة شرسة من هجمات وكمائن ومعارك طاحنة، لا تقل أهمية عما قام بها أهل الشمال ضمن سلاسل تاريخ الثورة الجزائرية المجيدة وعلاقتها المرتبطة أحداثها بكل ربوع الوطن دون نقصان ولا تقليل شأن، لكن يبقى على الأجيال ورجال الغد نفض الغبار والسعي وراء معرفة الحقيقة وكشف ملابسات إخفائها وتنوير الرأي العام بها وإطلاع الأبناء بمآثر وفخر مجد الأجداد والآباء، تاريخ حافل يستحق الدراسة الشاملة الموسعة والتعمق في أعماق جذورها الضاربة إلى ما لا نهاية،

وعلى غرار باقي الجهات كان لزاما على أبناء الصحراء عامة وأبناء منطقة غرداية بربوعها احتضان ثورة التحرير المظفرة منذ ميلادها التحاقا بالركب، أين كانت لهم بصمة لامعة وباع في المشاركة ضمن قوافل المجاهدين والجهاد الأكبر ومقاومته الشعبية وبطولاته من مهده،

ومن بين هاته المشاركات وملاحمها البطولية معركة قصر مليكة الكبرى يوم 05 و 06 أكتوبر 1961، بعد معارك أفران– الجرجير– البسباسة – الخراجة- شعبة النيشان– إلخ. الحوار – قيلال – شعاب العريق ألخ…….

معركة قصر مليكة وموقعها ‪:

للعلم أن قصر مليكة آت مليشت هو أحد القصور السبعة 07 لسهل وادي ميزاب وتاريخه العريق منذ قرون خلت وتميز بتمازجه وتعايشه السلمي بين ساكنيه، كما يعتبر معلما تاريخيا أثريا منذ قرون خلت.

تعد معركة قصر مليكة من ضمن كبرى المعارك الطاحنة التي فرض من خلالها مجاهدونا إستراتيجية عسكرية بنجاح كبير وثقة بالنفس زادته قوة و تشبثا بالقضية وإصرارا للمواصلة وتنفيذ خطط القيادة بأرض الميدان وتلقين العدو درسا لن ينساه يحمل معه خيبات الأمل وإفشال مخطط الرامي لفصل الصحراء.

تفاصيل الحدث:

في أواخر سنة 1960 قدم الضابط الأول أحمد طالب إلى الناحية الثالثة، في مهمة سرية عاجلة كلف بها من طرف قائد الولاية السادسة بمساعدة الضابط سعيد عبادو والملازم زروال، بهدف إحباط وإفشال المؤامرات الفرنسية الرامية إلى تقسيم التراب الجزائري، وباشر مهامه بعمل جبار في المنطقة لا سيما كل من بريان والقرارة وتحسيس مواطنيها بأهمية القضية الوطنية، والحث على الالتفاف حول رجال الثورة وتفعيل العمل الثوري، وبعد أشهر عاد الضابط طالب أحمد، للمنطقة وتوسع لنشاطه وإكمال مهمته زار كل من القرارة وبريان وغرداية، بأيام قبل يوم 07 أكتوبر 1961 موعد عقد الإجتماع العام لإطارات الناحية الثالثة، المزمع حضوره كل من السادة: سعيد اعبادو مسؤول الناحية الثالثة بسكرة)، رشيد صايم ملازم أول سياسي للناحية، العابد زروال ملازم أول إخباري للناحية، هاشمي دارم مسؤول القسمة 59 (متليلي الشعانبة)، محمد أولاد حيمودة مسؤول القسمة 60 (المنيعة) إضافة لكل من المجاهدين: لخضر بكراوي، لزرق محمد والعريف موسى سويلم (متليلي الشعانبة‪(.

أسباب المعركة‪:

بعد رجوع الضابط طالبي أحمد للمنطقة وإستنئاف نشاطه، تسربت المعلومات ووصلت للعدو من طرف عملائه الذين رأوا في هذه الزيارة تهديدا لمصالحهم الشخصية، فقام العدو بعمليات تمشيط وتفتيش عن خلايا الفدائيين واسعة شملت كل الأماكن بمدينة غرداية جاورها، حيث تم إلقاء القبض على أحد المناضلين ومن هول التعذيب وفظاعته وأمام عدم تحمله أفصح عن مكان تواجد مجموعة المجاهدين المتكونة من الضابط الأول أحمد طالب، الضابط سعيد عبادو، الملازم الأول العابد زروال والمجاهد محمد لزرق وموسى سويلم ولخضر بكراوي ومحمد القيرع، والتي كانت مكلفة وقتها بتنظيم وتعبئة تجنيد اللجان الشعبية لدعم جيش جبهة التحرير الوطني بمنطقة غرداية من أجل الدفاع عن الوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني وإفشال مخططات فرنسا الرامية لتقسيم التراب الوطني وفصل الصحراء أثناء مفاوضات الاستقلال.

تاريخ ومكان المعركة ووقائع مجرياتها‪:

جرت وقائع المعركة بحي بن طراش مليكة العلياء قرب منزل بلغواطي قدور جانب المسجد العتيق أبو بكر صديق بضبط أمام منزل العرش يوم 06 أكتوبر 1961 بعد وصول المعلومات للعدو الفرنسي ومعرفة البيت الذي يختبئ فيه المجاهدون بأحياء مدينة غرداية الشعبية، تمت محاصرته، وبتفطن المجاهدين انقسموا إلى مجموعتين بإنسحاب دارم الهاشمي إلى مدينة متليلي الشعانبة، والثانية تسللت في جنح الظلام ليلا إلى حي مليكة متنكرين في زي نساء بلبس الحائك المعروف بالكساء من صناعة الصوف صناعة تقليدية حرفية نسيج محلي) للتمويه، لكن عيون الخونة وأعوان العدو الفرنسي ترصدهم وأوشت بهم، وعند وصولهم إلى قصر مليكة ليلا يوم 05 أكتوبر 1961، دخلوا إلى القصر عبر باب باعبد الله متجهين إلى بيت المجاهد عيسى أوعيسي سكوتي با محمد المدعو (ڨاستون)، حيث تناولوا وجبة العشاء وقضوا عنده ليلتهم، ومع طلوع الفجر غادروا البيت بعد تبلغيهم بعلم العدو الفرنسية بمكان تواجدهم، فتحركوا ونزلوا عبر ساحة آداي نالراعي متجهين من خلف الصور إلى حي بن طراش باحثين عن مكان آمن يختبئون فيه، وبسبب محاصرة العدو لكل أماكن قصر مليكة لم يكن أمامهم أي خيار، فلجاؤا إلى أسفل دهليز مسجد أبي بكر الصديق، قرب منزل بلغواطي قدور المعروف بمحيلا، أمام منزل العرش، كونه المخبأ الآمن لهم.

سير المعركة‪:

بعد تطويق السلطات الإستدمارية لقصر مليكة بكامله وحصار أهله، الأمر الذي أدى إلى وقوع معركة دامية بين المجاهدين والجنود الفرنسيين الذي كان محاصرا بكامله، إذ في يوم 05 أكتوبر 1961 قامت السلطات الفرنسية بتخلية كاملة لمنازل قصر مليكة، أين تم جمع النساء والأطفال في المسجد العتيق، أما الرجال ففي ساحة (لمراغت) باب باعبد الله، وذلك حفاظا وصونا لكرامتهن أن تطأها قدم العدو والمساس بالأطفال الصغار, ولم يكتف العدو بالحصار فقام بحملة تفتيش واسعة شملت كل منازل ومتاجر القصر، غير آبهين بالوضع فقاموا بتدمر وسلب كل ما كان في منازل القصر خاصة المتاجر، مر اليوم كاملا على النساء والأطفال المحشورة في المسجد وقد امتلأت أركانه ببكاء الأطفال من شدة الجوع، لولا مخزون التمر، الذي خفف قليلا من شدة وطأة معاناة الأطفال، وبمعرفة مكان تواجد المجاهدين حلقت مروحية هليكوبتر حاملة قنبلة كادت أن تلقيها على المسجد العتيق الذي يتواجد بداخله النساء والأطفال، ولولا ستر الله لكانت الكارثة، وبعد رفض المجاهدين الاستسلام وتسليم أنفسهم تم إلقاء القنبلة على المصلى أين يختبئ المجاهدين بعد وشاية الخونة للإستدمار، وأمام حالة الاختناق بالدخان الكثيف المخلف من القنبلة، قرروا المواجهة المسلحة مع العدو، وفي حدود الساعة الثامنة والنصف صباحا من يوم 06 أكتوبر 1961 بدأت المواجهة وأحتدمت المعركة الطاحنة انطلاقا من المسجد وتوسعت إلى المنازل المجاورة الخالية من أهلها وأمتدت للطرقات والأزقة، معركة حامية الوطيس ليوم كامل وساخن حسب شهادة شهود أعيانها، أمام ضراوة المعركة وبسالة مجاهدينا الأبطال، معركة لقنوا فيها العدو درسا وكبدته من خلاله، فئة المجاهدين القليلة خسائر جد جسيمة، وبعد تصدي ونفاذ الذخيرة وقوة وابل الرصاص أستشهد الضابط الأول أحمد طالب، واستمرت المواجهة لغاية الرابعة مساء وأمام قوة العدة وعدته وعتاده، أين تمكن العدو من إلقاء القبض على بقية المجاهدين بعد أن نفذت ذخيرتهم لآخر نفس متأثرين بجروح جد بليغة التي تلقوها من ضربات العدو، في حين كسرت رجل الملازم الثاني سعيد عبادو وأصيب بقية رفاقهم بجروح متفاوتة الخطورة واعتقلوا وأودعوا السجن من قبل قوات العدو، كما خسر العدو العديد من القتلى والجرحى في صفوفه بأرقام مذهلة.

خلاصة القول‪:

أعطت معركة قصر مليكة نفسا جديدا لثورة التحرير بالمنطقة وصور عدة منها إحترام وحدة التراب الوطني الذي كان مبدأ أساسي لكل الشعب الجزائري، عنصر من الثوابت الوطنية منذ إعلان نداء أول نوفمبر54، وصور تلاحم ومشاركة أبناء الجزائر عامة ودرس أخرس الألسن، وتعزيز صفوف الثورة بكل أطياف الشعب, كما كان وقع صدى المعركة وقفة تاريخية سجلت بأحرف من ذهب، وقفة إجلال لروح شهداء ثور التحرير الأبرار ووسام شرف المجاهدين الذين أثبتوا تشبثهم بوطنيتهم، وساهموا في الحفاظ عليها ودعم سياسي جديد في الوقت الذي إنطلقت فيه المفاوضات مع العدو حول إستقلال الجزائر.

الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك