اخر الاخبار

أول حكم إعدام عسكري منذ 65 سنة: دلالات الردع وسيكولوجية العقاب

بقلم: اللواء المتقاعد عبد الباقي جبير

في تاريخ الجيوش والنظم العسكرية، تظل “ساحة القضاء العسكري” الحصن الأخير الذي يحمي الانضباط ويصون هيبة البزة العسكرية من التصدع. ولعلّ القرار الأخير الذي أعلنه المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية بموافقة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق الرائد السابق نضال حسن، يمثل محطة استثنائية بكل المقاييس؛ لكونه أول حكم إعدام عسكري يُنفذ في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1961، أي بعد انقضاء نحو 65 عاماً من التوقف الفعلي لتنفيذ هذه العقوبة القصوى داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

أولاً: وقائع الجريمة وانكسار العقيدة

تعود جذور هذه القضية المفصلية إلى الخامس من نوفمبر عام 2009، ذلك اليوم الدامي الذي شهدته قاعدة “فورت هود” العسكرية بولاية تكساس. ففي مركز للجاهزية الطبية كان يفترض أن يكون بيتاً آمناً لجنود يستعدون للواجب والانتشار، أقدم الرائد نضال حسن (الطبيب النفسي العسكري) على إطلاق النار بمسدس شبه أوتوماتيكي.

هذا الهجوم الغادر لم يكن مجرد حادث جنائي عابر، بل كان طعنة في صميم الثقة العسكرية المتبادلة بين الرفاق في السلاح، ومثّل صدمة كبرى لقيادة البنتاغون، إذ أسفر عن مقتل 13 جندياً وإصابة أكثر من 30 آخرين، في مشهد جسّد أحد أسوأ الاختراقات الأمنية والنفسية داخل ثكنات الجيش الأمريكي.

ثانياً: استراتيجية المحاكمة وسيكولوجية “الشهادة المزيفة”

من الناحية الإجرائية والقانونية، شهدت محاكمة نضال حسن منعطفات غريبة؛ فقد اتخذ الجاني قراراً جريئاً (أو بالأحرى محسوباً من منظوره الخاص) بأن يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه.

واللافت في مسار المحاكمة أنه:

  • لم يستدعِ أي شهود نفي.
  • لم يُدلِ بأي شهادة دفاعية تخفف من وطأة التهم.
  • لم يحاول مجرد نفي الأفعال الإجرامية المنسوبة إليه.

هذا السلوك القضائي دفع محامي الدفاع الذين عينتهم المحكمة رسمياً إلى إبداء قلق بالغ، مفاده أن نضال حسن لم يكن يسعى لتبرئة ساحته، بل كان “يسعى متعمداً” لأن يُحكم عليه بالإعدام، ربما محكوماً بدوافع عقائدية أو نفسية خاصة، جعلته يرى في منصة الإعدام نهاية مرسومة لخطته المأساوية.

ثالثاً: دلالات التوقيت والرمزية العسكرية

إن إخراج عقوبة الإعدام العسكري من “ثلاجة الانتظار” بعد أكثر من ستة عقود يحمل رسائل استراتيجية وقانونية بالغة الأهمية:

  1. تأكيد هيبة القانون العسكري: الجيوش الكبرى لا يمكن أن تتسامح مع الجرائم التي تُرتكب من الداخل ضد الرفاق في السلاح، بغض النظر عن الرتبة أو الصفة (إذ كان الجاني ضابطاً طبيباً برتبة رائد).
  2. الردع العام والخاص: إعادة تفعيل عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص تُرسل إشارة حاسمة لكل تسيب أو انحراف عقائدي أو نفسي قد يهدد سلامة ووحدة القوات المنتشرة أو المستعدة للقتال.
  3. طي صفحة الجرح المؤسسي: بالنسبة للمؤسسة العسكرية الأمريكية، فإن تنفيذ هذا الحكم يمثل محطة لإغلاق ملف نزيف دموي طال أمد العدالة فيه لسنوات طويلة بين أروقة المحاكم الاستئنافية العسكرية.

خاتمة

إن قضية الرائد نضال حسن ليست مجرد ملف جنائي أو عسكري عادي، بل هي دراسة معقدة في تقاطع الفكر، والانضباط العسكري، والقصور النفسي، والصرامة القضائية. وبينما يُسدل الستار تدريجياً على هذه القضية بتنفيذ أقدم عقوبة إعدام عسكرية منذ عقود طويلة، يبقى الدرس الأبقى للمؤسسات العسكرية كافة: أن اليقظة الأمنية والانضباط الأخلاقي والعقائدي هما خط الدفاع الأول عن بقاء الجيوش وتماسكها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك