الجزائر في عهد التحول الاقتصادي: من اقتصاد الريع إلى آفاق “نقطة اللارجوع” تنموياً
ليلى بلدي
تشهد الجزائر اليوم مرحلة مفصلية وحاسمة في مسارها الاقتصادي، متخلّصةً تدريجياً من التبعية المطلقة لعائدات المحروقات، نحو بناء اقتصاد وطني متننوع، تنافسي، ومبني على أرضية صلبة. هذا التحول لم يعد مجرد وعود أو خطط على ورق، بل تُرجم لغة أرقام ومؤشرات إيجابية أكدتها حتى تقارير الهيئات المالية الدولية الكبرى (مثل صندوق النقد الدولي) التي جاءت متسقة مع الآفاق والخطط الاستراتيجية التي سطرتها السلطات الجزائرية.
أولاً: مؤشرات النمو والناتج المحلي.. نحو عتبة الـ 400 مليار دولار
تُظهر لغة الأرقام ديناميكية متسارعة في النسيج الاقتصادي الجزائري؛ حيث يتوقع أن تفوق نسبة النمو الاقتصادي 3.8% لتصل إلى حدود 4.2%، مع طموح واقعي لبلوغ الناتج المحلي الخام حاجز 400 مليار دولار خلال الثلاثي الأول من عام 2027.
ويرافق هذا الصعود التزام صارم بسيادة القرار المالي، ممثلاً في الرفض القاطع لأي استدانة خارجية من صندوق النقد الدولي، فضلاً عن استهداف مخطط وطني ذكي لتحقيق دخل قار خارج المحروقات لا يقل عن 50 مليار دولار.
ثانياً: معركة الرقمنة والشفافية.. كشف الاحتيال وحماية المال العام
أثبتت مسارعة الدولة في تبني “الرقمنة” كأداة أساسية للتسيير أنه السلاح الأقوى في وجه الفساد والبيروقراطية. فقد كشفت التحقيقات الرقمية والمنصات الحديثة عن ممارسات غير قانونية لـ 581 شركة صرّحت بمعلومات مزورة (مستخدمة عنواناً واحداً في عمارة واحدة بأولاد فايت)، إضافة إلى اكتشاف 200 شركة تستعمل رقماً تسلسلياً واحداً لدى مصالح الضمان الاجتماعي!
هذه الألاعيب التي كانت تُستغل لتهريب العملة الصعبة أو تضخيم الفواتير أصبحت في مهب اليد، في طريقها للعدالة، تزامناً مع القضاء على ظواهر سلبية مثل استيراد سيارات فاخرة عوض احتياجات المصانع، وترشيد صرف العملة الصعبة لحماية احتياطات الصرف والسيادة الوطنية.
ثالثاً: مناخ الاستثمار وتشجيع الشراكة الحقيقية
شهد قطاع الاستثمار قفزة نوعية بفضل تفعيل “الشباك الوحيد” الذي عكست ديناميكيته الكبيرة نجاح نحو 20 ألف مشروع استثماري، وهو دليل قاطع على عودة الثقة المتبادلة بين المستثمر والدولة.
وفي هذا السياق، وُجهت رسائل اقتصادية واضحة للقطاع الخاص الذي يتحصل على تمويلات هامة من البنوك العمومية (تصل إلى نحو 90%) بضرورة تحمل مسؤوليته التاريخية وخلق بنوك خاصة تساهم في تمويل الديناميكية التنموية. كما تجسد الانفتاح الاستثماري في الترحيب بكافة استثمارات الأشقاء العرب، مع المضي قدماً في تطوير المشاريع المهيكلة الكبرى كالفوسفات المدمج وتوسعة الموانئ وشبكات النقل الاستراتيجية.
رابعاً: ترشيد الطاقة ودعم التنمية المستدامة
تظل الجزائر لاعباً أساسياً وموثوقاً في أمن الطاقة العالمي؛ فهي لا تسجل أي تهور في سوق الطاقة وتلتزم دائماً بالإجماع والاستقرار الدولي، من خلال مشاريع طاقوية عملاقة كأنبوب الغاز العابر للصحراء (النيجر-نيجيريا-الجزائر) الذي يربط إفريقيا بأوروبا. وإلى جانب ذلك، تتكامل هذه الرؤية مع القفزة الكبرى في قطاع التنمية الفلاحية والمائية (عبر محطات تحلية المياه ومشاريع الضبط الفلاحي)، لحماية القدرة الشرائية للمواطن وصون أمنه الغذائي.
إن هذه الإصلاحات العميقة والمشاريع المهيكلة المتسارعة تهدف في أساسها إلى الوصول بالجزائر إلى “نقطة اللارجوع” تنموياً قبل حلول عام 2027، لتتحول من دولة تعاني من هزات الريع إلى دولة متقدمة تفكر استراتيجياً في استيعاب أفق “جزائر السبعين مليون نسمة”. إنها مسيرة جيل يزرع ليأكل اللاحقون، وتجسيد حقيقي لقاعدة: تنمية مستمرة، لا عودة إلى الصفر.

إرسال التعليق