اخر الاخبار

عبقرية الجنرال ..الجنرال سعد الدين الشاذلي و اللغة البرتغالية و القرآن

داود مراد

هناك شخصيات تاريخية لا تنتهي حكاياتها بانتهاء المعارك العسكرية أو طي صفحات الدبلوماسية الرسمية، بل تمتد أبعاد عبقريتها لتلامس تفاصيل الروح والإنسان في أبسط تفاصيلها. ومن بين هذه الشخصيات الفذة، يبرز اسم الفريق سعد الدين الشاذلي، بطل حرب أكتوبر ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، الذي لم تكن حنكته مقصورة على خرائط التعبئة والخطط الاستراتيجية، بل امتدت لتترك بصمة لا تُنسى في العاصمة البرتغالية لشبونة، حين التقى القرآن الكريم بروح رجل عسكري يعشق التحدي.

البداية.. من لغة السلاح إلى لغة التواصل

تبدأ الحكاية خلال فترة عمل الفريق الشاذلي سفراً لمصر في البرتغال؛ حيث وجد نفسه أمام بيئة جديدة وثقافة مختلفة تماماً. وفي هذا السياق، يروي القصة بحكمته المعهودة قائلاً:

“في البرتغال تعلمت اللغة البرتغالية. وقد كان هدفي من تعلم اللغة في أول الأمر هو التأقلم والاعتماد على النفس في التخاطب بما يكفل لي حل المشاكل اليومية.”

لم يكن التعلم هنا مجرد ترف دبلوماسي، بل كان ضرورة إنسانية وعملية لرجل تعود على اقتحام الصعاب وحل المعضلات مهما كانت تعقيداتها.

المفاجأة الكبرى: القرآن في مهب النطق الأعجمي

لكن القصة لم تتوقف عند حدود الاندماج اليومي وإتقان مفردات الشارع البرتغالي. ومع مرور الأيام، وبينما كان الشاذلي يتأمل واقع الجالية المسلمة والمسلمين الجدد في البرتغال، تنبه إلى أمر خطير يؤرّق وجدان كل محب لكتاب الله:

“مع مرور الأيام اتضح لي أن المسلمين البرتغاليين ينطقون القرآن نطقًا خاطئا. وبدراسة المشكلة اتضح لي أن كتابة القرآن بالحروف البرتغالية يشوبه الكثير من القصور، لأن هناك أصوات في اللغة العربية لا يوجد لها مثيل في اللغة البرتغالية.”

كانت هذه اللحظة فاصلة؛ فالمسألة بالنسبة له لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل كانت أمانة روحية ومسؤولية أخلاقية تفرض عليه التدخل بفكره الهندسي والعسكري لحل معضلة صوتية ولغوية عجز عنها الكثيرون.

الحل المبتكر: إبداع حروف جديدة وكتابة التاريخ

لم يقف الفريق مكتوف الأيدي أمام قصور الحروف اللاتينية عن استيعاب مخارج الحروف العربية والقرآنية. بل انكب على دراسة أصوات لغة الضاد مقارنة باللسان البرتغالي، ليتخذ قراراً جريئاً وغير مسبوق:

“ولكي أتغلب على هذه المشكلة أدخلت 16 حرفا جديدا على الحروف الأبجدية البرتغالية وأصدرت كتابا أسميته ‘كتابة اللغة العربية بالحروف البرتغالية’.”

بهذا الإنجاز الفريد، لم يقدم الشاذلي مجرد أداة مساعدة، بل فتح الباب على مصراعيه أمام آلاف المسلمين في البرتغال لقراءة القرآن الكريم بالصوت الصحيح ومخارج الحروف السليمة، جامعاً بين دقة القائد العسكري وعمق العالم اللغوي.

خاتمة: العبقرية التي لا تنطفئ

إن قصة الفريق سعد الدين الشاذلي مع اللغة البرتغالية والقرآن الكريم، كما يوثقها قلم الكاتب داود مراد، تذكرنا بأن العظماء لا يُقاسون فقط بما يحققونه من انتصارات ميدانية، بل بما يتركونه من أثر طيب في حياة الناس، وكيف يمكن للعقل الخلاق أن يطوع الصعاب لخدمة العقيدة والهوية الإنسانية، حتى في أببعد المنافي وأغربها عن ديار العرب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك