قراءة في قانون المالية 2027 بالجزائر: رهان التنويع، الحفاظ على الطابع الاجتماعي، وتحفيز الاستثمار
لاراس حبيب
مع إطلالة سنة 2027، يدخل الاقتصاد الجزائري مرحلة جديدة وحاسمة ضمن مسار الإصلاحات الهيكلية الكبرى الرامية إلى تقليص التبعية المفرطة للمحروقات، تعزيز الإيرادات الجبائية البديلة، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين في ظل تقلبات الأسواق الدولية. يمثل قانون المالية لسنة 2027 محطة محورية لتجسيد الأهداف الاستراتيجية المسطرة في المدى المتوسط، مستشرفاً آفاقاً اقتصادية توازن بين متطلبات التنمية المستدامة والبعد الاجتماعي للدولة.
في هذه القراءة التحليلية، نسلط الضوء على أبرز محاور قانون المالية لعام 2027، قراءةً في المؤشرات الكبرى، الميزانية، والتوجهات الاستثمارية.
أولاً: التوازنات الكبرى والمؤشرات المالية العامة
يستند قانون المالية لسنة 2027 على فرضيات واقعية تتماشى مع الديناميكية الاقتصادية العالمية والمحلية:
- عائدات المحروقات وجباية البترول: رغم الجهود الحثيثة لتنويع الصادرات، تظل عائدات قطاع المحروقات رافداً أساسياً لتمويل الميزانية العامة، مع الاعتماد على سعر مرجعي متحفظ لبرميل النفط لضمان أمان التوازنات المالية الكبرى وحماية الميزانية من الصدمات الخارجية.
- تنويع الإيرادات غير البترولية: يركز قانون 2027 على توسيع الوعاء الضريبي دون إثقال كاهل المواطن، من خلال عصرنة الإدارة الضريبية، رقمنة مصالح الضرائب والجمارك، ومحاربة التهرب الضريبي، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في مداخيل الجباية العادية لتشكل نسبة معتبرة من الإيرادات العامة.
ثانياً: الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة
كرّس قانون المالية لسنة 2027 الثابت الدستوري والتاريخي للجزائر كـ “دولة اجتماعية”، حيث خصصت اعتمادات مالية ضخمة لدعم الفئات الهشة والطبقة المتوسطة:
- تحويلات اجتماعية موجهة: مواصلة سياسة دعم المواد الأساسية (السكر، الزيت، الحبوب، الحليب)، الكهرباء، الغاز، والمياه، مع التوجه نحو تدابير أكثر نجاعة لاستهداف مستحقي الدعم الحقيقيين.
- الأجور والتوظيف: رصد غلاف مالي معتبر لتغطية مراجعات الأجور والتوظيفات الجديدة في قطاعات السيادة الحساسة كالصحة، التربية الوطنية، والتعليم العالي، إضافة إلى دعم جهاز البطالة ومنح التقاعد للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية.
ثالثاً: تحفيز الاستثمار الوطني والأجنبي المباشر
يمنح قانون المالية 2027 دفعاً قوياً لقطاع الاستثمار المنتج باعتباره قاطرة النمو الاقتصادي الجديد:
- التسهيلات الجبائية والجمارك: تقديم حزم تحفيزية للمشاريع الاستثمارية الكبرى في الولايات الهضاب العليا والجنوب، مع إعفاءات ضريبية للمؤسسات الناشئة (Startups) والمؤسسات المصغرة المبتكرة.
- دعم القطاعات البديلة: توجيه الدعم المالي والتحفيزات نحو القطاعات الاستراتيجية خارج المحروقات، كالزراعة الصحراوية (لتحقيق الأمن الغذائي)، المناجم الكبرى (مثل مشروع غارا جبيلات ومنجم الزنك بتنزاوات)، والصناعات الصيدلانية والإلكترونية.
رابعاً: الاستثمار العمومي والبنية التحتية الكبرى
يواصل قانون المالية تمويل المشاريع الكبرى ذات العائد الاقتصادي المباشر، لاسيما:
- مشاريع السكك الحديدية: رصد ميزانيات ضخمة لاستكمال وتطوير شبكات السكك الحديدية الاستراتيجية (مثل خطوط الهضاب والجنوب نحو تمنراست) لربط مناطق الإنتاج المنجمي والفلاحي بالموانئ والمنافذ التجارية.
- الأمن المائي: إعطاء أولوية قصوى لمشاريع تحلية المياه عبر الشريط الساحلي، إنجاز السدود، وتحويل المياه لتأمين التزويد بالماء الشروب ومياه السقي الفلاحي في مواجهة التغيرات المناخية.
يؤكد قانون المالية لسنة 2027 أن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو ترشيد النفقات العامة، تشجيع الاستثمار المنتج، وتحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي يعتمد على الكفاءة وتنويع مصادر الثروة. إنه وثيقة مالية واستراتيجية ترسم معالم مستقبل واعد يوازن ببراعة بين متطلبات النمو الاقتصادي وصون المكتسبات الاجتماعية للمواطن.



إرسال التعليق