مقدمة عبد الله دراز ومحمود محمّد شاكر من خلال الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي

مقدمة عبد الله دراز ومحمود محمّد شاكر من خلال الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي

الحلقة الثّانية – معمر حبار

مالك بن نبي: “الظّاهرة القرآنية”. ترجمة عبد الصّبور شاهين. تقديم: محمّد عبد الله دراز (مقدّمة اللّغة الفرنسية: 1946) ومحمود محمّد شاكر. دار الفكر، دمشق، سورية. تصوير: 1406 هـ -1986، 288 صفحة.

أوّلا: مقدّمة القارئ المتتبّع:

سبق أن كتب صاحب المقال الحلقة الأولى من قراءته للكتاب[1].

يفتخر عبد الله دراز بالتشابه الكبير مع مالك بن نبي، وتمثّل ذلك في قوله: طرقنا في الدراسة متشابهة بصورة بارزة. 9

أقول: ولعلّ هذا من بين الأسباب التي دفعته لكتابة المقدّمة.

واضح أنّ عبد الله دراز ضليع في اللّغة الفرنسية. ومقدمته للطبعة الفرنسية التي كتبها بتاريخ 15 أفريل 1946، لكتاب “الظاهرة القرآنية” تدلّ على ذلك.

أتمنى لو وضعت مقدمة محمود محمّد شاكر في كتاب مستقلّ. لطول حجمها.

مقدمة محمد محمود شاكر، لا تقلّ عظمة عن كتاب “الظاهرة القرآنية” في بعض المحطات، وفيما تميّز به.

اتّفاق المقدمتين:

اتّفق عبد الله دراز مع محمود محمّد شاكر في كون “الظاهرة القرآنية”: نهج مستقل، ولم يسبقه كتاب مثله من قبل. 17

تضارب المقدمتين:

أثنى محمود محمّد شاكر على مالك بن نبي لأنّه حذّر من الاستشراق في “مدخل الدراسة”21. وعاتب عبد الله دراز مالك بن نبي لأنّه “تأثّر؟ !” بالاستشراق.

ثانيا: مقدمة عبد الله دراز:

منهجية مالك بن نبي قبل المعلومة:

أشار محمّد دراز في صفحة 12، أنّ المنهجية التي اتّبعها مالك بن نبي هي غاية الكتاب وليست المعلومات. ومنهجية التفكير بل الثورة في التفكير في النظر إلى القرآن على أنه مستقل عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان بارعا في هذه النقطة.

وكأنّه يريد أن يقول: لا تشغل نفسك بالمعلومات الواردة، وتجاوز عنها، وخذ منه منهجيته التي يسبقه إليها أحد من قبل.

العقل والتراث لدى مالك بن نبي:

الفكرة الأساسية للكتاب هي استقلالية القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم “. ويرى في صفحة 11، أن مالك بن نبي “استطاع إخراج ثمار عمله بلغة عصره، كما يفعل نبي يخاطب قومه بلغتهم “.

تعامل بحذر مع المنهج الديكارتي:

قال عبد الله دراز: اعتمد ديكارت على التحفظ. لأنّ “الإيمان المسيحي تكتنفه كموضوع أمور غامضة. وهذا لا محلّ له في العقيدة القرآنية”. 13

واعتمدت أوروبا على المنهج الديكارتي لوجود تناقض في المسيحية. ولا يمكن اللّجوء دوما لهذا المنهج لأنّ الإسلام يخلو من التناقض. ويحذّر من الإفراط في اللّجوء إليه. وقد أبدع في هذه النقطة.

فضائل السّكوت عن التّفاصيل الإضافية:

قال: سكوت سائر رجال السيرة، عن التفصيلات الإضافية، نقطة نسجّلها لصالح التراث الإسلامي الذي تحلى دائما بأمانة تاريخية متشدّدة إلى أقصى حدّ، حين عزف عن كلّ توسيع أو تقليص، للمعطيات الثّابتة التي يجدها في متناوله، سواء كانت هذه المعطيات لصالح قضيته أو في غير صالحهما. 15

ثالثا: مقدّمة الشيخ محمود محمد شاكر:

يرى محمود محمد شاكر في صفحة 17: كتاب “الظاهرة القرآنية”، “لم يسبقه كتاب مثله من قبل”.

القرآن الكريم المعجزة:

يرى أن معجزة القرآن فيه هو وليس في مقارنته بالكتب التي لا تملك صفة المعجزة. والعرب طولبوا بأن يسمعوا للقرآن لا أن يقارنوه. والقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن.

ويرى في صفحة 26: لا يتطرق مالك بن نبي إلى الإعجاز العلمي، بل يتطرق إلى صحة دليل النبوة بصدق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من الله، وأنه كلام الله.

ويرى في صفحة 27: إقرار العرب أن القرآن ليس كلام البشر، وإنكارهم أنه كلام الله، لدليل على أن القرآن كلام الله، ومستقل عن الرسل صلى الله عليه وسلم.

ويرى في صفحة 28: القرآن وإن كان في بدايته قليل، إلا أنه من الله ومستقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعرب مطالبة أن تؤمن بأن القرآن من الله تعالى.

ويرى في صفحة 29: أدركت العرب أن القرآن الكريم من جنس كلامها، لكنها تعجز على أن تأتي مثله، فأصابتها الحيرة فيما تقول، وهذا يدل على أن القرآن صدق، والرسول صدق، لأن أبلغ العرب لم يستطيعوا إنكاره.

الشعر الجاهلي:

يرى في صفحة 36: انفرد الشعر الجاهلي بخصائص عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام.

ويرى في صفحة 40: الشعر الجاهلي الذي بين أيدينا، قليل جدا مقارنة بما ضاع. لكن هذا القليل يدل على أن القرآن صادق معجز، لأن أهل الشعر الجاهلي عجزوا عن مواجهته، رغم فهمهم له.

لم تخلع العرب الشعر الجاهلي كما خلعوا جاهليتهم. بل ظلّت تقرأ الشعر الجاهلي وتنقله لأبنائها، وأحفادها بعد أن اعتنقت الإسلام. ما يدل أنّ القرآن الكريم، والإسلام ليس لإلغاء الشعر الجاهلي، لأنّه معجز في أوّله، وآخره. 40

ويرى في صفحة 41: ظلّ العرب يلقون الشعر الجاهلي بعد نزول القرآن، حين ينتهون من القرآن والأحاديث النبوية ثم ظلوا يدرسونه، ولم ينقطعوا عنه أبدا والقرآن ينزل.

ويرى في صفحة 46: من الأخطاء تبيان ضعف الشعر الجاهلي لإظهار معجزة القرآن. وهذا يتنافى ومعجزة القرآن، لأنه جاء لأمة تحسن الكلام البديع، ورغم بلاغة وفصاحة الشعر الجاهلي، إلا أنهم لم يأتوا بمثل القرآن، وليس ضعفا في الشعر الجاهلي.

ويرى في صفحة 47: انتقل التشكيك في الشعر الجاهلي إلى التشكيك في اللغة العربية وكل ما هو عربي.

العرب عبدة البيان:

ختم محمود محمّد شاكر مقدّمته بأسطر من ذهب، حين قال: عرب الجاهلية كانوا عبدة البيان قبل أن يكونوا عبدة الأوثان. فقد سمعنا بمن استخف منهم بأوثانهم ولم نسمع قط بأحد منهم استخف ببيانهم.

صدق وأمانة عرب الجاهلية:

ذكر محمود محمّد شاكر ملاحظة في غاية العظمة، وهي: حين عجزت قريش أن تأتي بمثل القرآن الكريم وهم أهل اللّغة والبيان. وفضّلوا التزام الصّمت حتّى لا يكونوا أضحوكة. وهذا من تمام أمانتهم، وصدقهم.

رابعا: الشعر الجاهلي ليس ضعيف حتّى يهان عبر نقده للباقلاني:

أقول: استنكر محمود شاكر على الباقلاني (43-46) انتقاده لقصيدة امرؤ قيس، ومقارنتها بالقرآن الكريم، وتبيان عيوبها. وقد قلّده النّاس من بعده. لأنّ عرب الجاهلية صمتوا ولم يذكروا شعرهم الجاهلي في مقابل القرآن الكريم. لعلمهم أنّه ليس من بشر. لأنّ نقد الشعر الجاهلي وإبراز عيوبه مقارنة بالقرآن الكريم. يؤدّي إلى القول أنّ القرآن الكريم ليس معجز. وأنّ الشعر الجاهلي ليس بليغا ولا فصيحا وهو البليغ والفصيح. وكأنّه يخشى إن استمرّت هذه المقارنة إلى مسّ القرآن الكريم. وهو ما لم يقصده الباقلاني.

خامسا: نقد محمود محمد شاكر لمالك بن نبي:

في نقده لمالك بن نبي، يقول في صفحة 33: الشعر الجاهلي هو أساس مشكلة “إعجاز القرآن”، كما ينبغي أن يواجهها العقل الحديث، وليس أساس هذه المشكلة هو تفسير القرآن على المنهج القديم، كما ظن أخي مالك بن نبي، وكما يذهب إليه أكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه.

الجمعة 14 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 25 سبتمبر 2026

[1] مقالنا: النّبيّ الأميّ من خلال الظّاهرة القرآنية لمالك بن نبي.. الحلقة الأولى-معمرحبار

الأحد 9 ربيع الثّاني 1448، الموافق لـ 20 سبتمبر 2026

—

الشلف – الجزائر

معمر حبار

إرسال التعليق