الواد مادّيه، وهو يقول: ما أحلى البرودة!

رشيد مصباح (فوزي)

نحن اليوم في عالم تحكمه، إلى حدّ بعيد، لغات البرمجة؛ من بايثون إلى جافا سكريبت وغيرها من اللغات التي لا يفهمها معظم البشر، لكنها أصبحت تتحدث باسمهم وتدير جانبًا كبيرًا من تفاصيل حياتهم. ثم ظهر الذكاء الاصطناعي ليخطو بالتكنولوجيا خطوة أبعد، ويعلن عن فصل جديد من فصول التطور التقني المتسارع، وربما الأكثر إثارة للقلق في تاريخ البشرية.

فما كان يحتاج إلى عقل بشري وخبرة طويلة ووقت وجهد، أصبح بالإمكان إنجازه في دقائق، وربما في ثوانٍ. والآلة التي كانت تنفّذ أوامر الإنسان، بدأت اليوم تشاركه التفكير والتحليل والكتابة والتصميم واتخاذ بعض القرارات، حتى بات السؤال عن حدود هذا التطور أكثر إلحاحًا من السؤال عن سرعته.

ورغم كل هذا التطور الذي فُرض علينا بحكم انتمائنا إلى هذا العالم، فإننا لا نملك ترف الوقوف خارجه. نحن جزء منه، نعيش في قوانينه، ونخضع لإيقاعه المتسارع. عالمٌ كلما اتّسع أعلاه، ضاق أدناه؛ وكلما ازداد ترابطًا، تقلّصت المسافات بين أطرافه، حتى صار قرية صغيرة يُرى فيها قُبلها من دُبرها، وتصل فيها المعلومة إلى أقصى مكان قبل أن يستوعبها حتى من صدرت عنه.

لكن وسط هذه التحوّلات المتسارعة، يراودني سؤال قد لا يخطر على بال كثيرين:

ماذا سيبقى من الإنسان عندما تبلغ التكنولوجيا هذا الحد من التقدم؟

لا أقصد هنا جسد الإنسان ولا قدرته على البقاء، وإنما أقصد تلك الأشياء التي جعلت منه إنسانًا؛ كالأخلاق.. والضمير.. والرحمة.. والوفاء.. والحياء.. والإيثار.. والشعور بالآخر.. والقدرة على التمييز بين الخير والشر… وغير ذلك من الأشياء التي ظلّت تميّز الإنسان عن غيره.

فهل ستبقى هذه القيم كما عرفناها وتعودنا عليها، أم أن التطور التكنولوجي سيعيد تعريفها بطريقة مختلفة؟

وهل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه الآلة أكثر قدرة على أداء مهامنا منّا، بينما نصبح نحن أقل قدرة على ممارسة الصفات التي تميزنا عنها؟

المشكلة، في رأيي، ليست في أن تتطور الآلة، وإنما في أن يتراجع الإنسان أمامها. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة عظيمة لخدمة البشرية، لكنها تصبح شيئًا آخر عندما يتحوّل الإنسان من مستخدم لها إلى تابع لها، ومن صانع لقراره إلى منفّذ لما تمليه عليه.

ولهذا أصبح المستقبل شغلًـا شاغلًـا لكثير من المفكرين والمثقّفين، الذين ينظرون إلى القادم بعين لا تخلو من الشك والريبة. فالتطور لا يعني بالضرورة التقدم الإنساني، كما أن امتلاك المزيد من الوسائل لا يعني بالضرورة امتلاك المزيد من الحكمة.

والأغرب من ذلك أننا، في الوقت الذي تتسابق فيه العقول في العالم المتقدم على صناعة المستقبل، ما زلنا نرى في أدنى الأرض، وفي عوالمها السفلية، من يشتد صراعه لا على صناعة المستقبل، وإنما على حجز المقاعد الأمامية لمشاهدة ما يصنعه الآخرون.

وهنا يصدق فينا المثل الشعبي الذي يقول: «الواد مادّيه، وهو يقول: ما أحلى البرودة!»

فبينما يحملنا تيار التكنولوجيا إلى مستقبل لا نعرف حدوده، ينشغل بعضنا بمكانه في المشهد، غير مدرك أن القضية لم تعد: من يجلس في الصف الأول؟
بل أصبحت: من يملك القدرة على صناعة المشهد، ومن سيكتفي بمشاهدته؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك