المعجزة الصامتة..لماذا كانت حرب الاستنزاف المصرية أعظم عبقرية عسكرية متفوقة على حرب أكتوبر؟
اللواء متقاعد عبد الباقي جبير
حين تتحدث الأجيال العسكرية عن العظمة القتالية للجيش المصري في العصر الحديث، تنصرف الأذهان فوراً وبشكل تلقائي إلى ملحمة عبور السادس من أكتوبر عام 1973؛ تلك الصدمة الخاطفة التي حطمت خط بارليف، وأعادت للأمة العربية هيبتها المفقودة في ساعات معدودات.
لكن من خلف كواليس التخطيط الاستراتيجي وقراءات دفاتر العمليات الحقيقية، يدرك الخبراء العسكريون المخضرمون حقائق مختلفة تماماً: إن حرب أكتوبر العظيمة بكل أبهتها لم تكن سوى “الثمرة الناضجة” لشجرة تم غرسها ورويها بالدم والعرق والعبقرية الفذة طوال سنوات طويلة قاسية عُرفت بـ “حرب الاستنزاف” (1967 – 1970). بل إنني أزعم جازماً من واقع الخبرة العسكرية، أن حرب الاستنزاف كانت المعركة الأذكى، والأعظم، والأكثر إعجازاً في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة؛ لأنها صُنعت من العدم، وتحت وطأة الهزيمة الساحقة، وبإمكانيات مادية وبشرية تبدو للناظر مستحيلة!
أولاً: من رماد النزوح إلى إعادة بناء الإرادة
لكي تفهم عظمة حرب الاستنزاف، عليك أن تعود بالذاكرة إلى يونيو 1967؛ حيث خرج الجيش المصري من حرب الأيام الستة محطماً، بلا غطاء جوي، وبلا ترسانة حديثة، ومعنويات منهارة تماماً تحت وطأة احتلال سيناء.
- في تلك اللحظات حالكة الظلام، لم يكن المطلوب مجرد “إصلاح معدات”، بل كان المطلوب إعادة خلق عقيدة عسكرية كاملة من تحت الركام.
- قائد حرب الاستنزاف لم يكن يملك ترف الطائرات الحديثة ولا الدبابات المتطورة، بل كان يواجه عدواً متغطرساً يسيطر على الضفة الشرقية لقناة السويس ويراقب كل شاردة وواردة. تحويل جندي مهزوم ومكسور الإرادة إلى مقاتل شرس يخرج من خندقه ليلاً ليغوص في خطوط العدو ويزرع الألغام ويأسر الجنود، هو الإعجاز البشري الأعظم الذي قاده العقل العسكري المصري ببراعة نادرة.
ثانياً: هندسة الصبر الاستراتيجي وتفكيك الغطرسة الإسرائيلية
كانت العقيدة الإسرائيلية القائمة تقوم على “الحرب الخاطفة السريعة”، والاعتماد المطلق على التفوق الجوي والخطوط الحصينة المنيعة.
- جاءت عبقرية القيادة المصرية في حرب الاستنزاف لتقلب هذه القاعدة وتفرز استراتيجية “إطالة أمد الصراع” (النزف البطيء)؛ حيث لا توجد معارك كلاسيكية كبرى، بل عمليات استنزاف يومية، ومدفعية لا تنام، وإغارة مستمرة ومتعبة تنهك الاقتصاد الإسرائيلي وتستنزف جنوده على طول خط القناة.
- أدرك الجانب الإسرائيلي حينها أنه يعيش في كابوس مرعب؛ فجيشه الذي اعتاد حسم المعارك في أيام، وجد نفسه عاجزاً عن الاستقرار أو النوم في حصونه، مرغماً على تعبئة الاحتياط لفترات طويلة، مما كبد الكيان خسائر اقتصادية وبشرية فادحة جعلت جولدا مائير وقادتها يفقدون صوابهم.
ثالثاً: بناء حائط الصواريخ.. المعجزة الهندسية في دلائل التاريخ
واحدة من أبرز ملاحم حرب الاستنزاف التي تتضاءل أمامها أي معارك أخرى هي بناء “حائط الصواريخ” الدفاعي:
- لكي تحمي مصر سماءها من طيران الفانتيك وسكاي هوك الإسرائيلي، كان لا بد من نقل شبكة صواريخ الدفاع الجوي (سام) المعقدة والثقيلة إلى الضفة الغربية للقناة تحت القصف وتحت أنظار طائرات الاستطلاع على مدار الساعة.
- تحول المهندسون والجنود المصريون إلى “خلية نمل بشرية” تبني الدشم الخرسانية، وتحرك المنظومات ليلاً وتخفيها نهاراً في معجزة هندسية فريدة من نوعها في تاريخ الحروب الحديثة. هذا الحائط هو الذي أمّن لاحقاً مظلة الحماية الشاملة لعبور أكتوبر. حرب الاستنزاف لم تكن إطلاق رصاص، بل كانت هندسة معقدة للزمان والمكان.
إن حرب أكتوبر كانت عظيمة بحصادها العسكري والسياسي، لكن حرب الاستنزاف كانت الأعظم ببذورها التي أُلقيت في الأرض المحروقة وأزهرت نصراً. لقد أثبت الجندي المصري والعقل العسكري الاستراتيجي خلال سنوات الاستنزاف أن الإرادة الصلبة والتخطيط العلمي قادران على قهر أعتى جيوش الأرض، بغض النظر عن اختلال موازين القوى المادية. سيبقى التاريخ العسكري يذكر تلك السنوات الطويلة بإجلال؛ لأنها الحرب التي علمت الجيوش كيف تنتصر وهي مكسورة الجناح!



إرسال التعليق